فكثير من الأحاديث لا يرويه من الصحابة إلا رجل أو
رجلان ولا يرويه عنه أو عنهما إلا رجل أو رجلان وهلم جرا فخفي على أهل الفقه وظهر في عصر الحفاظ الجامعين لطرق الحديث
وكثير من الأحاديث رواه أهل البصرة مثلا وسائر الأقطار في غفلة عنه فبين الشافعي رحمه الله تعالى أن العلماء من الصحابة والتابعين لم يزل شأنهم أنهم يطلبون الحديث في المسألة فإذا لم يجدوا تمسكوا بنوع آخر من الاستدلال ثم إذا ظهر عليهم الحديث بعد رجعوا عن اجتهادهم إلى الحديث فإذا كان الأمر على ذلك لا يكون عدم تمسكهم 2 بالحديث قدحا فيه اللهم إلا إذا بينوا العلة القادحة
مثاله حديث القلتين فإنه حديث صحيح روي بطرق كثيرة معظمها ترجع إلى نسخة الوليد أو أبي الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير أو محمد بن عباد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله وكلاهما عن ابن عمر ثم تشعبت الطرق بعد ذلك
وهذان وإن كانا من الثقات لكنهما ليسا ممن وسد إليهم الفتوى وعول الناس عليهم فلم يظهر الحديث في عصر
سعيد بن المسيب ولا في عصر الزهري ولم يمش عليه المالكية ولا الحنفية فلم يعملوا به وعمل به الشافعي
وحديث خيار المجلس فإنه حديث صحيح روي بطرق كثيرة وعمل به ابن عمر وأبو هريرة من الصحابة
ولم يظهر على الفقهاء السبعة ومعاصريهم فلم يكونوا يقولون به فرأى مالك وأبو حنيفة أن هذه علة قادحة في الحديث وعمل به الشافعي
4 ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر الشافعي فتكثرت واختلفت وتشعبت ورأى كثيرا منها يخالف الحديث الصحيح حيث لم يبلغهم ورأى السلف لم يزالوا يرجعون في مثل ذلك إلى الحديث فترك التمسك بأقوالهم ما لم يتفقوا وقال هم رجال ونحن رجال
5 ومنها أنه رأى قوما من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع بالقياس الذي أثبته فلا يميزون واحدا منهما من الآخر ويسمونه تارة بالاستحسان وأعني بالرأي