مثال آخر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة في الاستنجاء فذهب قوم إلى عموم هذا الحكم وكونه غير منسوخ ورآه جابر يبول قبل أن يتوفى بعام مستقبل القبلة فذهب إلى أنه نسخ للنهي المتقدم ورآه ابن عمر قضى حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام فرد به قولهم وجمع قوم بين الروايتين فذهب الشعبي وغيره إلى أن النهي مختص بالصحراء فإذا كان في المراحيض فلا بأس بالاستقبال والاستدبار وذهب قوم إلى أن القول عام محكم والفعل يحتمل كونه خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا ينتهض ناسخا ولا مخصصا
وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ عنهم التابعون كل واحد ما تيسر له فحفظ ما سمع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب الصحابة وعقلها وجمع
المختلف على ما تيسر له ورجح بعض الأقوال على بعض واضمحل في نظرهم بعض الأقوال وان كان مأثورا عن كبار الصحابة كالمذهب المأثور عن عمر وابن مسعود في تيمم الجنب اضمحل عندهم لما استفاض من الأحاديث عن عمار وعمران بن حصين وغيرهما فعند ذلك صار لكل عالم من علماء التابعين مذهب على حياله وانتصب في كل بلد إمام مثل
سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة وبعدهما الزهري والقاضي يحيى بن سعيد وربيعة بن عبد الرحمن فيها
وعطاء بن أبي رباح بمكة
وإبراهيم النخعي والشعبي بالكوفة
والحسن البصري بالبصرة
وطاوس بن كيسان باليمن
ومكحول بالشام
فأظمأ الله أكبادا إلى علومهم فرغبوا فيها وأخذوا عنهم الحديث وفتاوى الصحابة وأقاويلهم ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند أنفسهم واستفتى منهم المستفتون ودارت المسائل بينهم ورفعت إليهم الأقضية
وكان سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وأمثالهما جمعوا
أبواب الفقه أجمعها وكان لهم في كل باب أصول تلقوها من السلف