وإذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتشدد في الحديث ويتوعد عليه والزمان زمان والصحابة متوافرون والبدع لم تظهر والناس في القرن الذي اثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ظنك بالحال في الأزمنه التي ذمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كثرت البدع وقلت الأمانة
وللبخاري رحمه الله في هذا الباب غناء مشكور وسعي مبرور وكذلك لمسلم وابن معين فإنهم انتقدوا الحديث وحرروه ونبهوا على ضعفاء المحدثين والمتهمين بالكذب حتى ضج من ذلك من كان في عصرهم وكان ذلك أحد الأسباب التي أوغرت صدور الفقهاء على البخاري فلم يزالوا يرصدون له المكاره حتى أمكنتهم فيه فرصة بكلمة قالها فكفروه بها وامتحنوه وطردوه من موضع إلى موضع وحتى حمل
بعض الناس قلقه من ذلك على أن قال ...
ولابن معين في الرجال مقالة ...
سيسأل عنها والمليك شهيد
فإن يك حقا قوله فهو غيبة ...
وان يك زورا فالعقاب شديد ...
وما أخلق قائل هذا الشعر بأن يكون دفع مغرما وأسر حسوا في ارتغاء لأن ابن معين فيما فعل أجدر بأن يكون مأجورا من أن يكون موزورا وألا يكون في ذلك 24أ ملوما بل مشكورا
العلة الثانية وهي نقل الحديث على المعنى دون لفظ الحديث بعينه وهذا الباب يعظم الغلط فيه جدا وقد نشأت منه بين الناس شغوب شنيعة وذاك أن أكثر المحدثين لا يراعون ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم التي نطق بها وإنما ينقلون إلى من بعدهم معنى ما أراده بألفاظ أخر ولذلك تجد الحديث الواحد في المعنى الواحد يرد بألفاظ شتى ولغات مختلفة يزيد بعض ألفاظها على بعض وينقص بعضها عن بعض على أن اختلاف ألفاظ الحديث قد
يعرض من أجل تكرير النبي صلى الله عليه وسلم في مجالس عدة مختلفة وما كان من الحديث بهذه الصفة فليس كلامنا فيه وإنما كلامنا في اختلاف الألفاظ التي تعرض من أجل نقل الحديث على المعنى