اما إلى العلم السابق الذي لا مخرج للعبد منه ولا يمكنه أن يتخير غيره
واما إلى فعل فعله الله تعالى به على جهة العقاب كقوله بل طبع الله عليها بكفرهم وأما إلى الإخبار عن قدرته تعالى على ما يشاء كقوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى
وما ورد من الآيات والأحاديث ظاهره التفويض فهو مصروف إلى الأمر والنهي الواقعين عليه وإنما غلطت القدرية في هذا لأنهم لا يثبتون لله تعالى علما سابقا بالأمور قبل وقوعها وعلم الله عندهم محدث تعالى الله عما يقوله الجاهلون علوا كبيرا فاعتبروا حال العبد من جهة الأمر والنهي والإستطاعة المركبة فيه لا من جهة العلم السابق
وغلطت الجبرية لأنهم اعتبروا حال العبد من جهة علم الله السابق فيه لا من جهة الأمر والنهي الواقعين عليه وظنوا أن علم الله تعالى بجميع ما يفعله العبد قبل فعله اياه اجبار منه له على الفعل وكلا القولين غلط لأنهم أخذوا بالطرف الواحد وتركوا الطرف الآخر فكان المذهب أحسن المذاهب لمن آثر الخلاص والسلامة
ورأى المشيخة وجلة العلماء الوقف عن الكلام في ذلك والخوض فيه لقوله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر القضاء فأمسكوا ولم يكن نهيه صلى الله عليه وسلم ونهي العلماء عن الكلام في ذلك من أجل أن هذا أمر لا تمكن معرفةالحقيقة منه وإنما كان من أجل دقته وخفائه وأنه أمر الخطأ فيه أكثر من الأصابة فأنت ترى القدرية والجبرية إلى يومنا هذا يختصمون فيه وناقض بعضهم بعضا ولا يصلون منه إلى شفاء نفس وكل فرقة من الفريقين يفضي مذهبها إلى شناعة إذا ألزمتها فرت عنها
وكلا الطائفتين قد أخطأت في التأويل وضلت عن نهج السبيل ووصفت الله تعالى بصفات لا تليق به عند ذوي العقول