فلما وجدوا جميع هذا الذي ذكرناه جمعوا الآيات والأحاديث وبنوا بعضها على بعض فأنتج لهم من مجموعها مقالة ثالثة سليمة من شناعة المقالتين منتظمة لكل واحد من الطرفين ارتفعت عن تقصير الجبرية وانحطت عن غلو القدرية فوافقت قوله صلى الله عليه وسلم دين الله بين الغالي والمقصر بنوا تفريعها على أصل وجملة الغرض منه أن لله تعالى علم غيب سبق بكل ما هو كائن قبل كونه ثم خلق الإنسان فجعل له عقلا
يرشده واستطاعة يصح بها تكليفه ثم طوى علمه السابق عن خلقه وأمرهم ونهاهم وأوجب عليهم الحجة من جهة الأمر والنهي الواقعين عليهم لا من جهة علمه السابق فيهم فهم يتصرفون بين مطيع وعاص وكلهم لا يعدو علم الله السابق فيه
فمن علم الله تعالى منه أنه يختار الطاعة فلا يجوز أن يختار المعصية ومن علم أنه يختار المعصية فلا يجوز أن يختار الطاعة ولو جاز ذلك لم يكن علم الله تعالى موصوفا بالكمال ولكان كعلم المخلوق الذي يمكن أن يقع الأمر كما علم ويمكن أن يقع بخلاف ما علم وليس في علم الله الأمور قبل وقوعها اجبار على ما توهمه 20أ المجبرون ولا تتم لأحد استطاعة على ما يهم به من الأمور الا بأن يعينه الله تعالى عليه أو يكله إلى حوله ويسلمه إليه فإن عصمه الله مما يهم به من المعصية كان فضلا وان وكله إلى نفسه كان عدلا
فإذا اعتبرت حال العبد من جهة الأضافة إلى علم الله السابق فيه الذي لا يعدوه وجد في صورة المجبر وإذا اعتبرت حاله من جهة الإضافة إلى الاستطاعة المخلوقة له والأمر والنهي الواقعين عليه وجد في صورة المفوض إليه
وليس هناك اجبار مطلق ولا تفويض مطلق انما هو أمر بين أمرين يدق عن أفكار المعتبرين ويحير أذهان المتأملين
وهذا هو معنى ما أشار إليه حذاق أهل السنة رحمهم الله بقولهم ان العبد لا مطلق ولا موثق
فما ورد من الآيات والأحاديث التي ظاهرهاالاجبار فهو مصروف إلى أحد ثلاثة أشياء