ويقال: هذا الخشب قطعته أنا لا السكين، ويقال: قطعته السكين ولم أقطعه، ويقال: فلان هداه اللَّه، وهداه الرسول، وهداه القرآن، وهداه فهمه، فنسب إلى كل ذلك.
ويقال: وأضله اللَّه لما كان تعالى هو السبب الأول في وجوده، ووجود سببه
المضل، ووجود الآلة، وإن لم يكن هو تعالى الداعي له إلى الضلالة، ويقال: أضله الشيطان لما كان هو الداعي إلى الضلال.
ويقال: أضلته نفسه لما كانت هي التي تركت الاحتراز.
وهذا فصل من تصوره لم يعتمد في تثبيت المعاني على مثلها من الألفاظ، فينظر من اللفظ إلى المعنى، بل ينظر في نحو هذا من المعنى إلى اللفظ.
واعلم أن من أجل هذا الذي قدمنا ذكره قال قوم من المحصلين: لا شيء من الأفعال فاعله فاعل واحد على الحقيقة إلَّا اللَّه تعالى، فإن فعله يستغني عن المكان، والزمان، والآلة، والمادة، وعن مثال يحتذيه.
ومن عداه تعالى من الفاعلين لا بد له من كل ذلك أو من بعضه، ولهذا لا يصح أن ينسب الإبداع إلى غيره تعالى لا حقيقة ولا مجازًا، ويصح أن يثبت فعل غير اللَّه على ما تقدم.
قال الشيخ أبو القاسم الراغب - رحمه الله:
هذا آخر ما قصدت تبيينه من هذا المعنى، وأختم القول بحمد اللَّه تعالى، والثناء عليه، والتضرع إليه في أن ينفعني وإخواني بما تحريته، ويجعلني ممن تذكر فذكر، وتبصر فبصر، واتعظ فوعظ، وتيقظ فأيقظ، فأعظم الهجنة أن يأمر من لم يأتمر، ويزجر من لا ينزجر، وأن يدعي الحكمة من إذا
تلقته المحاسن لا تجتبيه، وإذا تلقته المساوئ لا تجتويه، يرى القذاة في عيون إخوانه فينكرها، ويترك الجذع المعترض في أجفانه لا يغيره، ينصح غيره ويغش نفسه:
كمن كسا الناس من عري وعورته ... للناس بادية ما إن يواريها
وكالمسن الذي يشحذ الحديد ولا يقطع، وكالحجر الصلد الذي يمر به الماء النافع فلا ينتفع هو به.