لكان كلام الله سبحانه حقيقة كله، من حيث أنه ابلغ الكلام، ولكننا نرى الحقيقة والمجاز يتجاوران جنبا لجنب في القرآن الكريم ))
4 ـ الكناية
تقترب الكناية من المجاز في كونها لا يراد بها المعنى المصرح به، بل يراد به معنى آخر، أو هي كما يقول عبد القاهر الجرجاني عنها: (( ان يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومي به إليه ويجعله دليلا عليه ) ).
أو هي كما يعرفها الخطيب القزويني (( لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه ) )، وتقع الكناية في مرتبة أعلى من التصريح فقد (( أجمع الجميع على ان الكناية أبلغ من الإفصاح ) )، وقسمت الكناية على أيدي البلاغيين ثلاثة أقسام هي: الكناية عن موصوف، والكناية عن صفة، والكناية عن نسبة.
لقد وقع في الجواب القرآني عدد من الكنايات، وكان أكثرها كناية عن موصوف، ويعد (( الزمخشري أول من أشار إلى هذا الموضوع فلم نقرأ إشارة واضحة عن الكناية عن موصوف فيما سبق ) )، ومن ذلك قوله جل شأنه:
(( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) )، فقوله (( هو أذى فاعتزلوا النساء ـ من حيث أمركم الله ـ فآتوا حرثكم أنى شئتم ـ من الكنايات اللطيفة والتعريضات الحسنة، وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدبوا بها ويتكلفوا مثلها في محاوراتهم ومكاتباتهم ) )، وهكذا جاءت الكناية الأولى في هذه الآية المباركة (فاعتزلوا النساء) كناية عن ترك مجامعة النساء، والثانية (من حيث أمركم الله) كناية عن موصوف أيضا وهو موضع النكاح، وقد جاءت هاتان