لقد كانوا يعرفون أن مجرد النطق ب"لا إله إلا الله محمد رسول الله"يعني فقدانهم لسلطان إرهاب الناس والقبائل . ولو كانت المسألة مجرد كلمة تقال ، ويبقى الأمر على ما كان عليه لقالوها ، ولكنها كانت كلمة تغير من الأمر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ، ولا يبقى من جبروت لأحد ، فكل الناس سواسية . لذلك تصدى صناديد قريش لدعوة الإسلام . وهكذا نجد أن كل رسول يأتي يبرز له من يعاديه من أصحاب الفساد والجبابرة في الأرض ، مصداقاً لقول الحق سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن} [الأنعام: 112] .
والمثال على ذلك هو إرادة الحق في أن يجعل صيحة الإيمان في الجاهلية تأتي أولاً إلى أذن سادة العرب جميعاً وهم قريش الذين لا يجرؤ أحد على التعرض لهم ، لكن النصر لا يأتي لمحمد وهو في مكة حيث كانت مقام السيادة ؛ لأن النصر لو حدث في أول الدعوة ومحمد صلى الله عليه وسلم يحيا بين قومه في مكة لقال قائل: لقد حدث النصر من قوم ألفوا السيادة وأرادوا أن يسودوا العالم كله لا الجزيرة العربية وحدها ، وأن قريشاً قد ساندت محمداً لاستبقاء هذه السيادة وبسطها على غيرهم ، ولكنه - سبحانه - جعل مقام النصر ينبع من المدينة المنورة .
إنّ الصرخة أولاً جاءت في أذن السادة ثم التف حولها المستضعفون في الأرض الذين لا يستطيعون حماية أنفسهم ، ثم هاجروا وقوّاهم الله من بعد ذلك على الأقوياء .
إننا نجد كل داع إلى الله يأتي إنما يريد استبقاء خير النبوات حتى لا يأتي الران على القلوب ، وإن استبقاء هذا الخير يغضب منه الجبابرة والمنحرفون الذين يريدون السيادة على العالم بفكرهم . والداعية إلى الله الذي لا تجد له عدواً يصيبه بالسوء حظه من ميراث النبوة ضعيف ، والداعية الذي له أعداء له من ميراث النبوة الشيء الكثير .