ويلحظ أن المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك يجعل السنّة النبوية من باب التعزير والتأديب حيث روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أنس «أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال وفي رواية: أنه أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين. وفي رواية للترمذي: أنه ضرب شارب الخمر بنعلين أربعين» وروى البخاري وأبو داود عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فقال: اضربوه، فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان» وروى البخاري «أنه كان رجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسمّى عبد الله وكان يلقّب حمارا وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد جلده في الشراب فأتي به يوما فأمر به فجلد فقال بعض القوم: اللهمّ العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنوه فو الله ما علمت إلّا أنه يحبّ الله ورسوله» وليس في النهي النبوي في الحديثين ما يخفف إثم شارب الخمر واستحقاقه للتعزير وكل ما في الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير تجاوز ذلك إلى لعنه. وفي هذا تأديب نبوي رفيع كما هو المتبادر.
ولقد استلهم أصحاب رسول الله سنته من بعده فروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أنس أن أبا بكر جلد في الخمر بالجريد والنعال أربعين فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال ما ترون في جلد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف أرى أن تجعلها كأخفّ الحدود فجلد ثمانين.
ولقد روى الشيخان عن ابن عمر قال سمعت عمر على منبر النبي صلى الله عليه وسلم يقول «أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير. والخمر ما خامر العقل» والجملة الأخيرة من الحديث المتوافقة مع بعض الأحاديث التي أوردناها قبل تزيل الوهم بحلّ ما يمكن أن يصنع من غير المواد المذكورة من شراب مسكر كما هو ظاهر. والمتبادر أن المواد التي ذكرت في الحديث هي ما كان يصنع منه الخمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه.