وظاهر حقيقة الإجابة أنّ المعنى: ماذا أجابكم الأقوام الذين أرسلتم إليهم ، أي ماذا تلقّوا به دعواتكم ، حملاً على ما هو بمعناه في نحو قوله تعالى: {فما كان جواب قومه} [النمل: 56] .
ويحمل قول الرسل: {لا علم لنا} على معنى لا علم لنا بما يضمرون حين أجابوا فأنت أعلم به منّا.
أو هو تأدّب مع الله تعالى لأنّ ما عدا ذلك ممّا أجابت به الأمم يعلمه رسلهم ؛ فلا بدّ من تأويل نفي الرسل العلم عن أنفسهم وتفويضهم إلى علم الله تعالى بهذا المعنى.
فأجمع الرسل في الجواب على تفويض العلم إلى الله ، أي أنّ علمك سبحانك أعلى من كلّ علم وشهادتك أعدل من كلّ شهادة ، فكان جواب الرسل متضمّناً أموراً: أحدها: الشهادة على الكافرين من أممهم بأنّ ما عاملهم الله به هو الحقّ.
الثاني: تسفيه أولئك الكافرين في إنكارهم الذي لا يجديهم.
الثالث: تذكير أممهم بما عاملوا به رسلهم لأنّ في قولهم: {إنّك أنت علاّم الغيوب} ، تعميماً للتذكير بكلّ ما صدر من أممهم من تكذيب وأذى وعناد.
ويقال لمن يَسأل عن شيء لا أزيدك علماً بذلك ، أو أنت تعرف ما جرى.
وإيراد الضمير المنفصل بعد الضمير المتّصل لزيادة تقرير الخبر وتأكيده.
وعن ابن الأنباري تأويل قول الرسل {لا علم لنا} بأنّهم نفوا أن يكونوا يعلمون ما كان من آخر أمر الأمم بعد موت رسلهم من دوام على إقامة الشرائع أو التفريط فيها وتبديلها فيكون قول الرسل {لا علم لنا} محمولاً على حقيقته ويكون محمل {ماذا} على قوله: {ماذا أجبتم} هو ما أجيبوا به من تصديق وتكذيب ومن دوام المصدّقين على تصديقهم أو نقض ذلك ، ويعضّد هذا التأويل ما جاء بعد هذا الكلام من قوله تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله} ، وقولُ عيسى عليه السلام {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} الآية فإنّ المحاورة مع عيسى بعض من المحاورة مع بقية الرسل.
وهو تأويل حسن.