الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي ذَلِكَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ: وَهُوَ أَنَّ بِنَاءَ"شَهِدَ"مَوْضُوعٌ لِلْعِبَارَةِ عَمَّا يُعْلَمُ بِدَرْكِ الْحَوَاسِّ ، كَمَا أَنَّ"غَيَّبَ"مَوْضُوعٌ لِلْعِبَارَةِ عَمَّا لَمْ يُدْرَكْ بِهَا وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إنَّ الْبَارِي تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَمَعْنَى شَهِدْت: أَدْرَكْت بِحَوَاسِّي ، أَيْ عَلِمْت بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ طُرُقًا لِعِلْمِي ، ثُمَّ يُنْقَلُ مَجَازًا إلَى مُتَعَلَّقَاتِهِ ، فَمَعْنَى شَهِدَ اللَّهُ: عَلِمَ مُشَاهَدَةً ، وَأَخْبَرَ عَمَّا عَلِمَ بِكَلَامِهِ ، وَهَذَا يَكُونُ فِي الْمُحَدِّثِ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَوْلُهُ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} أَيْ أَحْضِرُوا مَنْ يَعْلَمُ لَكُمْ مَا يُشَاهِدُ مِنْ عَقْدِكُمْ.
وَقَوْلُهُ: {شَهِدَ اللَّهُ} أَيْ عَلِمَ وَأَخْبَرَ عَنْ عِلْمِهِ ، وَبَيَّنَ مَا عَلِمَ لَنَا حَتَّى نَتَبَيَّنَهُ.
فَأَخْبَرَ عَنْ حُكْمِهِ ، فَيَرْجِعُ إلَى عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ عَمَّا
يُخْبِرُ عَنْهُ ، لِارْتِبَاطِ الْخَبَرِ وَالْعِلْمِ.
وَشَهِدَ بِمَعْنَى حَلَفَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ حَالِهِ ، وَقَرَنَ بِخَبَرِهِ تَعْظِيمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: {وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ} يُرِيدُ مَا عَلِمْنَاهُ وَعَلِمَهُ اللَّهُ مَعَنَا ، فَإِنْ صَدَقَ وَإِلَّا كَانَ خَبَرُهُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ كَذِبًا ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَجْهَلُ ، وَالصَّادِقُ الْمُتَقَدِّسُ عَنْ الْكَذِبِ.
وَأَمَّا شَهِدَ بِمَعْنَى وَصَّى فَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا عَلَى بُعْدٍ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ.