لقد جعل الله هذه الحرمات منذ بناء هذا البيت على أيدي إبراهيم وإسماعيل ؛ وجعله مثابة للناس وأمناً ، حتى لقد امتن الله به على المشركين أنفسهم ؛ إذ كان بيت الله بينهم مثابة لهم وأمناً ، والناس من حولهم يُتخطفون ، وهم فيه وبه آمنون ، ثم هم - بعد ذلك - لا يشكرون الله ؛ ولا يفردونه بالعبادة في بيت التوحيد ؛ ويقولون للرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ يدعوهم إلى التوحيد: إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا. فحكى الله قولهم هذا وجبههم بحقيقة الأمن والمخافة: {وقالوا: إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا. أو لم نمكن لهم حرماً آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا؟ ولكن أكثرهم لا يعلمون} وفي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرام ، لا يعضد شجرة ، ولا يُختلى خَلاه ، ولا ينفر صيده ، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرّف".
ولم يستثن من الأحياء مما يجوز قتله في الحرم وللمحرم إلا الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور لحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين:
"أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور".
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - زيادة الحية.
كذلك حرمت المدينة لحديث علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"المدينة حرم ما بين عير إلى ثور". وفي الصحيحين من حديث عباد بن تميم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة".