وقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) الضمير في عنها قال أكثر المفسرين: إنه عائد على الأسئلة التي تضمنها قوله تعالى: (لا تَسْألُوا) . ولكن ذلك التضمين ليس بواضح، والأولى عندي أن نقول: إن الضمير يعود على الأشياء نفسها، لأن الضمير في"عنها"يعود إلى الأشياء، وبمقتضى النسق البياني لن يعود الضمير إلى شيء، ولذلك العفو عن الأشياء مغزاه الشرعي؛ لأن الناس قد يتساءلون عن هذه المحرمات قبل تحريمها، فيتساءلون عن الخمر قبل تحريمها، ويتساءلون عن تحريم زواج المؤمنة بالكافر قبل التحريم، وعن التبني قبل التحريم، وعن زواج امرأة الأب قبل التحريم، وقد أجيب عن كل هذا، عفا الله عما سلف، فالمعنى عفا الله عن هذه الأشياء قبل التحريم، وبهذا يتحقق معنى العفو، وهو رتبة بين المباح والمطلوب، وأن الأشياء التي كان مسكوتا عنها أمدا طال أو قصر في الإسلام ثم حرمت بعد ذلك لَا يمكن أن تكون مباحة، لأنه لَا تنطبق عليها حقيقة المباح"إذ إن حقيقة المباح أنه يكون متساوي الضرر والنفع بالنسبة للمتناول، ويرجح أحدهما التناول، أو الحاجات الشخصية، ولا يقال عن شيء حرمه الشارع تحريما قاطعا لَا شبهة فيه إنه متساوي النفع والضرر، وما دام لم يوجد ما يثبت طلب الكف عنه، فإنه يكون في فترة السكوت مع كونه ضارا قد عفا الله تعالى عنه."
(وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) هذا ختام ذلك النص، ختم بهذين الوصفين للذات الكريمة للإشارة إلى أن جعل هذه الأشياء القبيحة في ذاتها كالخمر والتبني وزواج امرأة الأب في موضع العفو، ما دام لم ينزل شرع بتحريمها لَا يكون إلا من غفور يغفر الذنوب، ولا يحاسب إلا أن يكون نذير يمنع وينذر بالعقاب، كما قال سبحانه: (. . . وَمَا كُنَّا معَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) .