نَذْكُرُ مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً عَلَى سَبِيلِ النَّمُوذَجِ ، وَهِيَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ: إِنَّ الشَّارِعَ حَرَّمَ بَيْعَ مُدِّ حِنْطَةٍ بِمُدٍّ وَحَفْنَةٍ ، وَجَوَّزَ بَيْعَهُ بِقَفِيزٍ مِنْ شَعِيرٍ ، فَهَذَا تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلِينَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ عِنْدَهُمْ . وَقَدْ أَطَالَ فِي رَدِّ هَذَا بِمَا بَيَّنَ بِهِ حِكْمَةَ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْحَدِيثُ . فَنُلَخِّصُ ذَلِكَ بِجُمَلٍ وَجِيزَةٍ .
(الرِّبَا: مَوْضُوعُهُ وَعِلَّتُهُ وَحِكْمَتُهُ) .
(1) قَالَ:"الرِّبَا نَوْعَانِ: جَلِيٌّ ، وَخَفِيٌّ . فَالْجَلِيُّ حُرِّمَ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ ، وَالْخَفِيُّ حُرِّمَ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْجَلِيِّ ، فَتَحْرِيمُ الْأَوَّلُ قَصْدًا وَتَحْرِيمُ الثَّانِي وَسِيلَةً . ."
"فَأَمَّا الْجَلِيُّ فَرِبَا النَّسِيئَةِ وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، مِثْلَ أَنْ يُؤَخِّرَ دَيْنَهُ وَيَزِيدَهُ فِي الْمَالِ ، وَكُلَّمَا أَخَّرَهُ زَادَ فِي الْمَالِ حَتَّى تَصِيرَ الْمِائَةُ عِنْدَهُ آلَافًا مُؤَلَّفَةً ، وَفِي الْغَالِبِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مُعْدِمٌ مُحْتَاجٌ ، فَإِذَا رَأَى الْمُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ مُطَالَبَتَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيَادَةٍ يَبْذُلُهَا لَهُ ، تَكَلَّفَ بَذْلَهَا لِيَفْتَدِيَ مِنْ أَسْرِ الْمُطَالَبَةِ وَالْحَبْسِ ، وَيُدَافِعُ مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ ، فَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ وَتَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ ، وَيَعْلُوهُ الدَّيْنُ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ مَوْجُودِهِ"إِلَخْ .