ثُمَّ أَوْرَدَ بَعْدَ هَذَا مَا اسْتَشْكَلَهُ نُفَاةُ الْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ وَالْقِيَاسِ مِنْ تَفْرِيقِ الشَّرِيعَةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلِينَ وَجَمْعِهَا بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُونَهَا ، كَفَرْضِ الْغُسْلِ مِنَ الْمَنِيِّ الطَّاهِرِ دُونَ الْبَوْلِ النَّجِسِ وَمَا فِي حُكْمِهِ ، وَكَذَا إِبْطَالُ الصِّيَامِ بِالِاسْتِمْنَاءِ ، وَنَضْحُ الثَّوْبِ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ وَغَسْلُهُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ ، وَقَصْرُ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا ، وَإِيجَابُ إِعَادَةِ الصِّيَامِ عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ ، وَتَحْرِيمُ النَّظَرِ إِلَى الْحُرَّةِ وَلَوْ عَجُوزًا شَوْهَاءَ دُونَ الْأَمَةِ وَلَوْ شَابَّةً حَسْنَاءَ ، وَقَطْعُ يَدِ سَارِقِ رُبْعِ دِينَارٍ دُونَ مُغْتَصِبِ أَلْفِ دِينَارٍ مَعَ جَعْلِ دِيَةِ الْيَدِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْكَثِيرَةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَفِي الْعُقُوبَاتِ ، وَلَعَلَّهُ اسْتَوْفَى كُلَّ مَا بَلَغَهُ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ .
ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْإِسْهَابِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِ هَذَا
الْكِتَابِ . وَفِي جَوَابِهِ أَوْ أَجْوِبَتِهِ هَذِهِ مِنْ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ وَأَسْرَارِهَا وَبَيَانِ مُوَافَقَتِهَا لِلْعَقْلِ وَمَصَالِحِ الْبَشَرِ وَمِنْ خَطَأِ غُلَاةِ الْقِيَاسِيِّينَ مَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ طُلَّابِ عِلْمِ الشَّرْعِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ .