(رَابِعُهَا) : الِاجْتِهَادُ الَّذِي أَجَازَهُ الصَّحَابَةُ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَلَا مَا قَضَى بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنْهُ ، وَفِي حُكْمِهِ مَا قَضَى بِهِ الرَّاشِدُونَ ، وَشَرْطُ هَذَا الِاجْتِهَادِ أَنْ يَكُونَ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْمُعَامَلَاتِ ، لَا فِي الْعَقَائِدِ وَالْعِبَادَاتِ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا مِنْ قَبْلُ ، وَسَيُعَادُ الْقَوْلُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى ، وَقَدِ اسْتَشْهَدَ لِهَذَا النَّوْعِ بِكِتَابِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الْقَضَاءِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ وَشَرَحَهُ شَرْحًا طَوِيلًا ، وَابْنُ حَزْمٍ يُنْكِرُ هَذَا الْكِتَابَ كَمَا تَقَدَّمَ .
ثُمَّ أَطَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِيمَا عُدَّ مِنْ قَبِيلِ الْقِيَاسِ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ ، وَذَكَرَ طَائِفَةً مِنْ أَقْيِسَةِ الصَّحَابَةِ بِنَاءً عَلَى التَّوَسُّعِ فِي مَعْنَى الْقِيَاسِ ، وَلَكِنْ لَا تَنْطَبِقُ تِلْكَ الْأَمْثِلَةُ
كُلُّهَا عَلَى الْقِيَاسِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَلَيْسَتْ كُلُّهَا فِي الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ كُلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَلُوذَ بِهِ وَيَلْجَأَ إِلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ ، فَكَانَ مِنْهُ مَا لَعَلَّهُ لَمْ يَخْطُرْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى بَالٍ ، وَلِذَلِكَ قَفَّى عَلَى ذَلِكَ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي ذَمِّ الْقِيَاسِ وَكَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ . فَافْتَتَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: