ثُمَّ عَقَدَ ابْنُ الْقَيِّمِ لِآثَارِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي ذَمِّ الْقِيَاسِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ ، وَبَيَانِ كَوْنِ الْقَائِلِينَ بِهِ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَجْعَلَهُ النَّاسُ دِينًا يُدَانُ بِهِ وَشَرْعًا مُتَّبَعًا لِلْأُمَّةِ ، وَكَوْنُ الْمُتَعَصِّبِينَ لَهُمْ مِنْ بَعْدِهِمُ انْحَرَفُوا عَنْ طَرِيقِهِمْ وَخَالَفُوا مَذْهَبَهُمْ غُلُوًّا فِيهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَعْنَبِيِّ: دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسْتُ فَرَأَيْتُهُ يَبْكِي ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ مَا الَّذِي يُبْكِيكَ ؟ فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ - قَعْنَبٍ وَمَا لِيَ لَا أَبْكِي ؟ وَمَنْ أَحَقُّ بِالْبُكَاءِ مِنِّي ؟ وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي ضُرِبْتُ بِكُلِّ مَسْأَلَةٍ أَفْتَيْتُ فِيهَا بِالرَّأْيِ سَوْطًا ، وَقَدْ كَانَتْ لِي السَّعَةُ فِيمَا قَدْ سُبِقْتُ إِلَيْهِ ، وَلَيْتَنِي لَمْ أُفْتِ بِالرَّأْيِ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: مَثَلُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ مَثَلُ الْمَجْنُونِ الَّذِي عُولِجَ حَتَّى بَرِئَ فَأَعْقَلَ مَا يَكُونُ قَدْ هَاجَ . وَمِنْهُ تَقْدِيمُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ عَلَى الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ ، وَمِنْ شَوَاهِدِ هَذَا فِي مَذْهَبِ