أَقُولُ: لِلَّهِ دَرُّ الْحَافِظِ ، فَإِنَّهُ أَتَى بِخُلَاصَةِ الْآثَارِ وَصَفْوَةِ مَا فَسَّرَهَا بِهِ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَلَوْلَا عُمُومُ افْتِتَانِ الْجَمَاهِيرِ بِالْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ الْمَلْأَى بِمَا ذَكَرَ مِنَ الْفُرُوعِ الَّتِي نَهَى الشَّرْعُ عَنِ الْخَوْضِ فِي مِثْلِهَا ، وَأَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى ذَمِّ الِاشْتِغَالِ بِهَا لَاكْتَفَيْنَا بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَا حَرَّرَهُ الْحَافِظُ فِي الشَّرْحِ ، وَقُلْنَا فِيهِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّوْكَانِيُّ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ جُمُودِ الْجَمَاهِيرِ عَلَى التَّقْلِيدِ ، لَا يُزَلْزِلُهُ هَذَا الْقَوْلُ الْوَجِيزُ الْمُخْتَصَرُ الْمُفِيدُ ، فَلَا بُدَّ إِذًا مِنْ تَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ ، الَّتِي هِيَ مَنْشَأُ كُلِّ هَذَا الْبَلَاءِ فِي النَّاسِ ، وَهَاكَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ حَزْمٍ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ مِنْ مُقَدِّمَةِ الْمُحَلَّى:
إِبْطَالُ ابْنِ حَزْمٍ الْقِيَاسَ وَالرَّأْيَ:
(مَسْأَلَةٌ) وَلَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ فِي الدِّينِ وَلَا بِالرَّأْيِ ; لِأَنَّ أَمْرَ اللهِ تَعَالَى بِالرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى كِتَابِهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَحَّ ، فَمَنْ رَدَّ إِلَى قِيَاسٍ أَوْ إِلَى تَعْلِيلٍ يَدَّعِيهِ أَوْ إِلَى رَأْيٍ فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ اللهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقَ بِالْإِيمَانِ ، وَرَدَّ إِلَى غَيْرِ مَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِالرَّدِّ إِلَيْهِ ، وَفِي هَذَا مَا فِيهِ .