وَمَنْ أَرَادَ الْحِنْثَ اخْتِيَارًا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ أَوْ مُطْلَقًا وَقَدَّمَ الْكَفَّارَةَ كَانَ بِشُرُوعِهِ فِي الْحِنْثِ غَيْرَ شَارِعٍ فِي إِثْمٍ ، لِأَنَّهُ بِتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ صَارَ مُبَاحًا لَهُ ، وَمَنْ قَدَّمَ الْحِنْثَ كَانَ شَارِعًا فِي مَعْصِيَةٍ وَقَدْ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الْكَفَّارَةِ ، وَلَعَلَّ هَذِهِ هِيَ حِكْمَةُ إِرْشَادِ الْحَدِيثِ إِلَى تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ ، وَبِهَذِهِ الْحِكْمَةِ تَبْطُلُ الْفَلْسَفَةُ الْمُتَكَلِّفَةُ الَّتِي تَعَلَّلَ بِهَا مَانِعُو التَّقْدِيمِ .
وَيَنْقَسِمُ الْحَلِفُ بِاعْتِبَارِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إِلَى أَقْسَامٍ:
(1) أَنْ يَحْلِفَ عَلَى فِعْلٍ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكٍ حَرَامٍ ، فَهَذِهِ تَأْكِيدٌ لِمَا كَلَّفَهُ اللهُ إِيَّاهُ فَيَحْرُمُ الْحِنْثُ وَيَكُونُ إِثْمُهُ مُضَاعَفًا .
(2) أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحِنْثُ ، لِأَنَّ يَمِينَهُ مَعْصِيَةٌ ، وَمِنْهُ الْحَلِفُ عَلَى إِيذَاءِ الْوَالِدَيْنِ وَعُقُوقِهِمَا أَوْ مَنْعِ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ الْوَاجِبَ لَهُ .
(3) أَنْ يَحْلِفَ عَلَى فِعْلٍ مَنْدُوبٍ أَوْ تَرْكٍ مَكْرُوهٍ ، فَهَذَا طَاعَةٌ فَيُنْدُبُ لَهُ الْوَفَاءُ وَيُكْرَهُ الْحِنْثُ ، كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الْوَفَاءِ كَمَا قَالُوا فِي النَّذْرِ .
(4) أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَرْكِ مَنْدُوبٍ أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْحِنْثُ وَيُكْرَهُ التَّمَادِي كَذَا قَالُوا ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَالْحِنْثِ مُطْلَقًا أَوْ بِالتَّفْصِيلِ الْآتِي فِيمَا بَعْدُ .