وَرَوَى مَسْرُوقٌ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ ، فَأُتِيَ بِضَرْعٍ ، فَتَنَحَّى رَجُلٌ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: اُدْنُ فَكُلْ فَقَالَ: إنِّي كُنْت حَرَّمْت الضَّرْعَ ؛ فَتَلَا عَبْدُ اللَّهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} كُلْ وَكَفِّرْ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك} إلَى قَوْلِهِ: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} .
رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ مَارِيَةَ ؛ وَرُوِيَ أَنَّهُ حَرَّمَ الْعَسَلَ عَلَى نَفْسِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعَلَمِ فِيمَنْ حَرَّمَ طَعَامًا أَوْ جَارِيَةً عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ إنْ أَكَلَ مِنْ الطَّعَامِ حَنِثَ ، وَكَذَلِكَ إنْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بَيْنَ مَنْ قَالَ:"وَاَللَّهِ لَا آكُلُ هَذَا الطَّعَامَ"وَبَيْنَ قَوْلِهِ:"حَرَّمْته عَلَى نَفْسِي"فَقَالُوا فِي التَّحْرِيمِ: إنْ أَكَلَ الْجُزْءَ مِنْهُ حَنِثَ ، وَفِي الْيَمِينِ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ الْجَمِيعِ ؛ وَجَعَلُوا تَحْرِيمَهُ إيَّاهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ:"وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت مِنْهُ شَيْئًا"؛ إذْ كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضَى لَفْظِ التَّحْرِيمِ فِي سَائِرِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ، مِثْلُ قَوْلِهِ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} اقْتَضَى اللَّفْظُ تَحْرِيمَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ ، فَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْإِنْسَانِ طَعَامًا يَقْتَضِي إيجَابَ الْيَمِينِ فِي أَكْلِ الْجُزْءِ مِنْهُ.