{وَلَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ} الإيمان الحقيقي اليهود وذلك لقوة المباينة لأنهم محجوبون عن توحيد الصفات وتوحيد الذات ولم يكن لهم إلا توحيد الأفعال {والذين أَشْرَكُواْ} كذلك بل هم أشد مباينة منهم للمؤمنين وأقوى لأنهم محجوبون مطلقاً، وإنما قدم اليهود عليهم لأن البحث فيهم، وهذا خلاف ما عليه أهل العبارة {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى} لأنهم برزوا من حجاب الصفات ولم يبق لهم إلا حجاب الذات، وإلى هذا الإشارة بقوله سبحانه وتعالى: {ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] حيث مدحوا بالعلم والعمل وعدم الاستكبار، وذلك يقتضي أنهم وصلوا إلى توحيد الأفعال والصفات وأنهم ما رأوا نفوسهم موصوفة بصفة العلم والعمل ولا نسبوا عملهم وعلمهم إليها بل إلى الله تعالى وإلا لاستكبروا وأظهروا العجب {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرسول} من أنواع التوحيد التي من جملتها توحيد الذات {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ} بالدليل وبواسطة الرياضة {مِنَ الحق} الذي أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم {يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا بذلك فاكتبنا مَعَ الشاهدين} [المائدة: 83] المعاينين لذلك {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله} جمعاً {وَمَا جَاءنَا مِنَ الحق} تفصيلاً {وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القوم الصالحين} [المائدة: 84] الذين استقاموا بالبقاء بعد الفناء {فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُواْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} من التجليات الثلاث مع علومها {وذلك جَزَاء المحسنين} [المائدة: 85] المشاهدين للوحدة في عين الكثرة بالاستقامة في الله عز وجل: {والذين كَفَرُواْ} أي حجبوا عن الذات وَكَذَّبُواْ
بآياتنا الدالة على التوحيد {أولئك أصحاب الجحيم} [المائدة: 68] لحرمانهم الكلي واحتجابهم بنفوسهم وصفاتها والله تعالى الموفق. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 7 صـ}