حتى إن البيت الواحد انقسم . مثال ذلك تجد أن أم حبيبة السيدة رملة وهي بنت أبي سفيان تؤمن بينما والدها شيخ الكفرة آنذاك ، وتذهب أم حبيبة مع زوجها إلى الحبشة ويحرص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الخلايا الإيمانية لأنه يعلم أنها ستفرخ الإيمان بعد ذلك . وبتلك الهجرة إلى الحبشة أراد صلى الله عليه وسلم أن يحمي بذور الإيمان لتكون هي مركز انتشار الإيمان من بعد ذلك ؛ لأنهم سوف يؤدون مهمة إيمانية ، والشجاعة - كما نعلم - تقتضي الحرص . وشاعرنا أحمد شوقي - رحمه الله - قال في إحدى مقطوعاته النثرية التي سمّاها"أسواق الذهب": ربما تقتضيك الشجاعة ، أن تجبن ساعة؟
وهذه الشجاعة لا تكون على العدو فقط ولكنها تكون شجاعة في مواجهة النفس ، مثال ذلك: لو أن جماعة من الأقوياء كانوا جالسين معاً في جلسة سمر ، ثم دخل عليهم صعلوك يحمل مسدساً ، وقام بتوجيه السباب لكل منهم ، هنا يتحايل عليه هؤلاء إلى أن يتمكنوا منه ليعاقبوه .
إذن فالشجاعة تقتضي أن يجبن الإنسان لحظة إلى أن يتمكن من الخصم . وهذه هي الكياسة والحيلة ، فالإيمان ليس انتحاراً ، بل يقتضي الإيمان ألا يدخل المؤمن معركة إلا وعنده حسبان في الكسب . وها هوذا حضرة النبي صلى الله عليه وسلم يسمي خالد بن الوليد"سيف الله المسلول"في معركة لم ينتصر فيها خالد ، ولكنه انتصر انتصاراً سلبياً بأن عرف كيف يسحب الجيش ، فالأَمرُ بسحب الجيش يحتاج إلى قوة أكثر مما يحتاج إليه النصر . فالمنتصر تكون الريح معه . أما المهزوم فتكون الريح ضده .
ونجد القرآن الكريم يقول: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير} [الأنفال: 16] .
إذن فالمناورة والكيد من المهارة القتالية لأنها تتيح من بعد ذلك القدرة على مواجهة العدو .