وهذا ما قبله يدل على أنّ ذلك نزل بمكة أو في ذات الرقاع، والصحيح أنها نزلت بالمدينة والرسول بها مقيم شهراً، وحرسه سعد وحذيفة، فنام حتى غط، فنزلت، فأخرج إليهما رأسه من قبة أدم وقال:"انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله لا أبالي من نصرني ومن خذلني"وأصل هذا الحديث في صحيح مسلم: وأما شج جبينه وكسر رباعيته يوم أحد فقيل: الآية نزلت بعد أحد، فأما إن كانت قبله فلم تتضمن العصمة هذا الابتلاء ونحوه من أذى الكفار بالقول، بل تضمنت العصمة من القتل والأسر، وأما مثل هذه فيها الابتلاء الذي فيه رفع الدرجات واحتمال كل الأذى دون النفس في ذات الله، وابتلاء الأنبياء أشد، وما أعظم تكليفهم.
وأتى بلفظ يعصمك لأن المضارع يدل على الديمومة والاستمرار، والناس عام يراد به الكفار يدل عليه ما بعده.
وتضمنت هذه الجملة الإخبار بمغيب ووجد على ما أخبر به، فلم يصل إليه أحد بقتل ولا أسر مع قصداً لا عداء له مغالبة واغتيالاً.
وفيه دليل على صحة نبوّته، إذ لا يمكن أن يكون إخباره بذلك إلا من عند الله تعالى، وكذا جميع ما أخبر به.
{إن الله لا يهدي القوم الكافرين} أي إنما عليك البلاغ لا الهداية، فمن قضيت عليه بالكفر والموافاة عليه لا يهتدي أبداً، فيكون خاصاً.
قال ابن عطية: وأما على العموم على أن لا هداية في الكفر، ولا يهدي الله الكافر في سبيل كفره.
وقال الزمخشري: ومعناه أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله، بل من الهلاك انتهى.
وهو قول بعضهم لا يعينهم على بلوغ غرضهم منك.
وقيل: المعنى لا يهديهم إلى الجنة.
والظاهر من الهداية إذا أطلقت ما فسرناها به أولاً. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 3 صـ}