(ولا تتّبع أهواءهم) أي فيما أمروك به، وليس في هذه الآية تكرار لما تقدم وإنما أنزلت في حكمين مختلفين، أما الآية الأولى فنزلت في شأن رجم المحصن، وأن اليهود طلبوا منه أن يجلده، وهذه الآية نزلت في شأن الدماء والديات حين تحاكموا إليه في أمر قتيل كان بينهم.
(واحذرهم أن يفتنوك) أي يضلوك ويصرفوك بسبب أهوائهم التي يريدون منك أن تعمل عليها وتؤثرها (عن بعض ما أنزل الله إليك) ولو كان أقل قليل بتصوير الباطل بصورة الحق (فإن تولوا) أي إن أعرضوا عن قبول حكمك بما أنزل الله عليك وأرادوا غيره.
(فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم) بالعقوبة في الدنيا (ببعض ذنوبهم) وهو ذنب التولي عنك والإعراض عما جئت به، وإنما عبر بذلك إيذاناً بأن لهم ذنوباً كثيرة، هذا مع كمال عظمة واحد من جملتها، وفي هذا الإبهام تعظيم للتولي (وإن كثيراً من الناس لفاسقون) متمردون عن قبول الحق خارجون عن الإنصاف.
(أفحكم الجاهلية يبغون) الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والمعنى أيعرضون عن حكمك بما أنزل الله عليك ويتولون عنه، ويبتغون حكم الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام، وأما أهل الجاهلية وحكمهم فهو ما كانوا عليه من المفاضلة بين القتلى من بني النضير وقريظة، قال ابن عباس: هو ما كانوا عليه من الضلال والجور في الأحكام وتحريفهم إياها عما أمر الله به.
والاستفهام في (ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) للإنكار أيضاً أي لا يكون أحد حكمه أحسن من حكم الله أو مساوٍ له عند أهل اليقين لا عند أهل الجهل والاهواء، وان كان ظاهر السبك غير متعرض لنفي المساواة وإنكارها. انتهى انتهى. {فتح البيان في مقاصد القرآن حـ 3 صـ} .