وقد عامل كل فريق بما أمره الله به، فصالح يهود المدينة وكتب بينه وبينهم كتاب أمان، وكانوا طوائف ثلاثة حول المدينة: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، فحاربه بنو قينقاع بعد بدر، ونقض بنو النضير العهد بعد ذلك بستة أشهر، ثم نقض بنو قريظة العهد لما خرج إلى غزوة الخندق، وكانوا من أشد اليهود عداوة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وقد حارب كل فئة ونصره الله عليها، وكان نصارى العرب والروم حربا عليه كاليهود.
التفسير والبيان:
مضمون الآيات أن الله تعالى ينهى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين هم أعداء الإسلام وأهله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يواليهم.
أيها المؤمنون بالله ورسوله، لا توالوا اليهود والنصارى أعداء الإسلام، أي لا تتخذوهم أنصارا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، ولا تسروا إليهم بأسراركم، ولا تطمئنوا إلى صداقتهم ومحبتهم أو مودتهم، إذ لن يخلصوا لكم، وبعضهم أولياء بعض، أي إن اليهود بعضهم أنصار بعض، والنصارى بعضهم أنصار بعض، وقد نقض اليهود عهودهم، والكل متفق على معاداتكم وبغضكم.
ثم توعد من يواليهم فقال: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي ومن ينصرهم أو يعينهم أو يستنصر بهم، فإنه في الحقيقة منهم أي من جملتهم وكأنه مثلهم، وليس من صف المؤمنين الصادقين. وهذا تغليظ من الله وتشديد على المنافقين الذين يتصادقون مع اليهود والنصارى المخالفين في الدين لأن موالاتهم تستدعي الرضا بدينهم. وهذا يومئ إلى أن العلاقات والمحالفات بين المسلمين وغيرهم لمصالح دنيوية غير منهي عنها في الآية.
وسبب هذا الوعيد: أن من يوالي هؤلاء في شؤون الدين وقضاياه ومقتضيات الدعوة ونشاطها، فينصرهم أو يستنصرهم بهم، فهو ظالم لنفسه بوضعه الولاية في غير موضعها، والله لا يهديه إلى خير أو حق بسبب موالاة الكفر.
وواقع الأمر أن المنافقين الذين في قلوبهم شك وريب ونفاق يسارعون فيهم، أي يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، وهم عبد الله بن أبي وجماعته المنافقون.