قَالَ اللهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَى مُنَافِقِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ: (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) أَيْ فَالرَّجَاءُ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى وَصِدْقِهِ مَا وَعَدَ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ وَالْفَصْلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يُعَادِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، أَوْ بِأَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فِي هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ ; كَفَضِيحَتِهِمْ أَوِ الْإِيقَاعِ بِهِمْ ، فَيُصْبِحُوا نَادِمِينَ عَلَى مَا كَتَمُوهُ وَأَضْمَرُوهُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنِ اتِّخَاذِ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَتَوَقُّعِ الدَّائِرَةِ عَلَيْهِمْ ، فَالْفَتْحُ فِي اللُّغَةِ: الْقَضَاءُ وَالْفَصْلُ فِي الشَّيْءِ ، وَهُوَ يَصْدُقُ بِفَتْحِ الْبِلَادِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ) (7: 89) وَقَوْلُهُ: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ) (32: 28) وَقِيلَ: الْمُرَادُ فَتْحُ مَكَّةَ ، الَّذِي كَانَ بِهِ ظُهُورُ الْإِسْلَامِ ، وَالثِّقَةُ بِقُوَّتِهِ ، وَإِنْجَازُ اللهِ وَعْدَهُ لِرَسُولِهِ . وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الْآيَاتُ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ، مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ أَوَائِلَ السُّورَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَيُمْكِنُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفَتْحِ فَتْحَ بِلَادِ الْيَهُودِ فِي الْحِجَازِ كَخَيْبَرَ وَغَيْرِهَا ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمِ الْأَمْرَ مِنْ عِنْدِهِ بِالْجِزْيَةِ تُضْرَبُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فَيَنْقَطِعُ أَمَلُ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ وَيَنْدَمُوا عَلَى مَا