وساعة تسمع"عسى"و"لعل"فهذا معناه الرجاء . والرجاء أن المتكلم يرجو أن يقع ما دخلت عليه"عسى". مثال ذلك قولنا: عسى أن تكرم زيداً) . ومن يقولها إنما يرجو سامعها أن يكرم زيداً ، وهذا يعني أن القائل ليس في يده إكرام زيد . أما إذا قال القائل: (عسى الله أن يكرم زيداً) ، فهذا نقل للرجاء من البشر إلى الله . والقائل هنا بشر ويتكلم عن بشر ، والمرجو هو الله ، وقدرة الله أوسع من كل قدرة . هنا ندخل في اتساع دائرة الرجاء فما بالنا إذا كان المتكلم هو الله؟ إذن فهذا إطماع من كريم لا بد أن يتحقق .
ونتعرف بذلك على درجات الرجاء: رجاء من بشر لبشر ، رجاء بشر من إله لبشر ، رجاء إله من إله لبشر ، ولأن الرجاء الأخير من المالك الأعلى لذاته فهو الذي يعطي {فَيُصْبِحُواْ على مَآ أَسَرُّواْ في أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} أي أنهم صاروا إلى الندم . وبذلك صار قولهم: {نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} هو كشف لما في قلوبهم من مرض النفاق ، وقد خلعوا على المرض وعبروا عنه بهذا الكلام سترا لما في قلوبهم ، فكأن الذي أسروه في نفوسهم هو كراهية هذا الدين وكراهية هذا المنهج وأنهم لا يحبون أن يستعلي هذا المنهج على غيره .