فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول لكم: إني استقبلت بني إسرائيل بالكرامة، وهم كالغنم الضائعة لا راعي لها، فأويت شاذها، وجمعت فاذها، وجبرت كسرها، وداويت مريضها، وأسمنت مهزولها، فبطرت فتناطحت، فقتل بعضها بعضًا حتى لم يبقَ منها عظم صحيح.
إن الحمار ربما يذكر رَّيه الذي يشبع عليه فيراجعه، وإن الثور ربما يذكر مرجه الذي سمنَ فيه فينتابه، وإن البعير ربما يذكر وطنه الذي أنيخ فيه فينزع إليه، وإن هؤلاء القوم لا يذكرون من أين جاءهم الخير وهم أهل الألباب والعقول، ليسوا بإبل ولا بقر ولا حمير.
وإني ضارب لهم مثلًا فاسمعوا؛ قل لهم: كيف ترون في أرض كانت زمانًا من زمانها خِرْبة مَواتًا لا زرع فيها ولا حرث، وكان لها رب قوي حكيم، فأقبل عليها بالعمارة، وأحاط عليها سياجاً، وشيَّد فيها قصورًا، وأنبط فيها نهرًا، وصفَّ فيها غراساً من الزَّيتون والرُّمان والنخيل والأعناب وألوان الثِّمار، وولى ذلك ذا رأي وهمَّة، حفيظاً قوياً أميناً، فلما جاء إبان ثمرها أثمرت خروبًا، ما كنتم قائلين له ومشيرين عليه؟
قالوا: كنا نقول له: بئست الأرض أرضك، ونشير عليه أن يقلع سياجها، ويهدم قصرها، ويدفن نهرها، ويحرق غرسها حتى تعود خربة مواتاً لا عمران فيها.
فقال الله تعالى: قل لهم: إن السِّياج ذمتي، وإن القصر شريعتي، وإن النهر كتابي مثل لهم، والخروب أعمالهم الخبيثة، وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، يتقربون إليَّ بذبح البقر والغنم وليس ينالني اللَّحم ولا آكله، ويدَّعون بأنهم يتقربون إليَّ بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها عليهم، ويزوِّقون المساجد، وليس لي إلى تزويقها حاجة، إنما أمرت برفعها لأُذْكَرَ فيها وأُسبَّح، ويقولون: لو كان يقدر على جمع أُلفتنا لجمعها، ولو كان يقدر على أن يفقه قلوبنا لفقهها، فاعمد إلى عودين يابسين، فاكتب فيهما كتاباً: إنَّ الله يأمركما أن تعودا عودًا واحدًا، فقال لهما ذلك، فاختلطا فصارا عودًا واحدًا، وصار الكتاب في طرف العود كتاباً واحدًا.