فقال أبو زرعة: إنما النَّواح لمن يدخل بيته ويغلق بابه، وينوح على ذنوبه، فأمَّا أن تخرج إلى أصبهان وفارس، وتجول الأمصار في النَّوْح فأنا لا أقبل هذا منك، هذا من أفعال المتأكلة الذين يطلبون الدَّراهم والدَّنانير، ولم يقبله.
وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري في"رسالته"عن محمَّد بن محمَّد بن الأشعث البيكندي أنَّه قال: من تكلم في الزهد، ووعظ الناس،
ثمَّ رغب في مالهم، نزع الله حب الآخرة من قلبه.
السادس عشر: أن يجلس في مجلس التذكير مستقبل القبلة، مقبلًا على القوم في تؤدة ووقار، يغضب لله تعالى إذا أورد ترهيبًا أو وعيدًا فيما الناس فيه من المخالفات والمنكرات، غير ملاحظ لأحد من الحاضرين، ولا مراع له في شيء يخالف الدين والشرع، ولا متصفصف في هيئة، ولا في إيراد، ولا متصنع، مراقبًا لله تعالى في جميع حركاته وسكناته، غير شاهد لنفسه كمالًا ولا حالًا ولا مقامًا.
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه كأنه منذر جيش؛ يقول:"صَبَّحَكُم مَسَّاكُم"كما رواه ابن ماجه، وابن حبَّان، والحاكم - وصححاه - عن جابر رضي الله تعالى عنه.
وتقدم قول سفيان وقد حضر صالحًا المري رحمهما الله تعالى في قصصه: هذا ليس بقاص، هذا نذير قوم.
السابع عشر: أن يختار للتذكير يوم الخميس كما كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يصنع، وهو في"الصَّحيحين"كما تقدَّم.
أو يوم الجمعة لما روى ابن عساكر عن حميد بن عبد الرحمن: أن تميمًا الدَّاريَّ استأذن عمر رضي الله تعالى عنهما في القصص، فأبى
أن يأذن له، فأذن له في يوم واحد، فلمَّا أكثر عليه قال: ما تقول؟
قال: أقرأ عليهم القرآن، وآمرهم بالخير، وأنهاهم عن الشَّر.
قال: قال عمر: ذلك الذَّبح.
ثمَّ قال: عِظْ قبل أن أخرج إلى الجمعة.
وكان يفعل ذلك يومًا واحدًا في الجمعة.
وإنما وقع الاختيار على هذين اليومين؛ لأنَّ يوم الجمعة كانوا يتفرغون فيه للآخرة خصوصًا أوَّل النهار، ولا شك أن سماع الذكر من أعمال الآخرة.
وأمَّا يوم الخميس فكانوا يتأهبون فيه للجمعة، وسماع الذكر والوعظ والحث على أخذ أهبتها.