وروى أبو بكر المروزي في كتاب"العلم"عن سفيان بن عيينة قال: قيل لطاوس رحمه الله تعالى: ذَكِّرنا.
فقال: لم تحضرني حسبة في ذلك؛ أي: نية صحيحة.
وروى الإمام أحمد في"الزهد"عن صفوان بن عمرو قال: كان خالد بن معدان رحمه الله تعالى إذا عظمت حلقته قام فانصرف.
قيل لصفوان: ولم كان خالد يقوم؟
قال: كان يكره الشُّهرة.
وروى أبو الشُّيخ عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى: أنَّه قرأ هذه الآية: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [سورة هود: 88] ، قال: بلغني أنَّه يدعى يوم القيامة بالمذكِر الصالح فيوضع على رأسه تاج الملك، ثمَّ يُؤمر به إلى الجنَّة، فيقول: إلهي! إنَّ في مقام القيامة أقوامًا كانوا يعينوني في الدُّنيا على ما كنت عليه.
قال: فيفعل بهم مثلَما فعل به، ثمَّ ينطلق يقودهم إلى الجنَّة لكرامته على الله تعالى.
فحسن نية المذكِّر سبب لسعادته وسعادة من يتذكر به؛ وناهيك بهذا مقامًا!
وأحب للمذكر والمدرس، والمفتي والناصح أن يستعين بهذه الآية على أمره.
قال أبو إسحاق الفزاري رحمه الله تعالى: ما أردت أمرًا قط فتلوت عنده هذه الآية إلَّا عُزم على الرشد: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [سورة هود: 88] . أخرجه أبو الشيخ.
الثالث: أن يكون عالمًا بالأحكام الشَّرعية، عارفًا بالناسخ والمنسوخ وغيرهما من علوم التفسير والحديث، ومن لم يتأهل لذلك وتعاطى الوعظ والقص، فقد ظلم نفسه، وعرَّضها للمقت.
روى ابن أبي شيبة، وأبو داود في"الناسخ والمنسوخ"، وغيرهما عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى قال: مرَّ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - برجل يقص فقال: أعرفت الناسخ من المنسوخ؟
قال: لا.
قال: هلكت وأهلكت.
وروى الطَّبراني نحو ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وسبق قول أبي إدريس الخولاني: لأنَّ أرى في ناحية المسجد نارًا تقد أحب إليَّ من أن أرى فيها رجلًا يقص ليس بفقيه.