والقاص: القائم بمنصب القصص، وهو تتبع الأخبار والآثار عن من سلف، وإيرادها عن القوم؛ فإن كان لغرض صحيح كالموعظة والذكرى كان حسنًا مقبولًا، وإن كان لغير ذلك كان مردودًا؛ وليس من ذلك ذكر الأكاذيب، والخرافات، والأحاديث الموضوعة أصلًا؛ فإن تسمية ذلك كذبًا وخوضًا في الباطل أقرب من تسميته قصصًا، وهو واستماعه حرام باتفاق.
ومن القصص المحمود: قصص القرآن العظيم كما قال الله تعالى في سورة هود عليه السلام بعد ذكر قصَص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [سورة هود: 120] .
ثمَّ المذكر والواعظ قد يكون وعظه وتذكيره بالقصص، وقد يكون بغيره، وهما محمودان على كل حال.
وأمَّا القاص فقد تكون قصصه للوعظ والتذكير، والدعوة والإرشاد إلى الله سبحانه وتعالى، فيكون محمودًا.
ثمَّ اعلم أنَّ الذي حضرني الآن من آداب الواعظ والمذكر والقاص عشرون أدبًا:
أحدها: أن تستأذن في ذلك الإمام أو نائبه كما استأذن تميم والحارث بن معاوية من عمر رضي الله تعالى عنهم.
وروى ابن ماجه بسند صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يقُصُّ عَلَى النَّاسِ إِلَّا أَمِيْرٌ، أَوْ مَأمُورٌ، أَوْ مُراءٍ".
وفي الباب عن عوف بن مالك، وعبادة بن الصامت، وكعب بن عياض، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم.
وروى الإمام أحمد عن عبد الجبار الخولاني قال: دخل رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد، فإذا كعب يقص؛ قال: من هذا؟ قالوا: كعب يقص.
قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا يَقُصُّ إِلَّا أَمِيْرٌ، أَوْ مَأْمُوْرٌ، أَوْ مُخْتالٌ".
قال فبلغ ذلك كعبًا، فما رئي يقص بعد.
الثاني: حسن النية.
لقوله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّمَا الأَعْمالُ بِالنِّياتِ".
فليخلص ولا يرائي ولا يتطلَّع إلى شهرة ولا إلى شيء من أغراض الدُّنيا.