ثمَّ إن القصص الذي أنكر ابن عمر ونافع كونه في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - ليس هو مجرد القص لما ثبت في الكتاب والسنة؛ إذ لا يمكن نفيه أصلًا، وإنما أنكروا ونفوا ما أحدثه القصاص من الاجتماع في وقت معين للقصص، وارتفاع الأصوات، والدعاء للأمير، ونحو ذلك.
وإن هذا لم يكن في عهده - صلى الله عليه وسلم - ولا في عهد خلفائه - رضي الله عنهم -، وإنما حدث في زمان معاوية رضي الله تعالى عنه كما رواه الزبير بن بكار في"أخبار المدينة"عن نافع وغيره.
وكذلك لم يقص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذه الهيئة المخصوصة، بل كان يحدث أصحابه ويذكرهم ويعلمهم وكأن على رؤوسهم الطير، وعليه يحمل قول أنس رضي الله تعالى عنه.
على أن أبا طالب المكي ذكر عن حبيب بن أبي ثابت عن زياد
النميري قال: أتيت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وهو بالراوية، فقال لي: قُصَّ.
فقلت: كيف أقص والناس يزعمون أنَّه بدعة؟
فقال: ليس شيء من ذكر الله بدعة.
قال: فقصصت، فجعلتُ أكثَر قصصي دعاءً رجاءَ أن يؤمِّن.
قال: فجعلت أقص وهو يؤمِّن.
فعلم من هذا أن القصص إذا خلا عما يفعله القصاص لم يكن مذمومًا، وإنما المذموم ما أحدثوه.
وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: كتب عامل لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إن ها هنا قومًا يجتمعون، فيدعون للمسلمين وللأمير، فكتب إليه عمر - رضي الله عنه: أقبل وأقبل بهم معك، فأقبل، فقال عمر للبواب: أعرني سوطًا، فلما دخلوا على عمر أقبل على أميرهم ضربًا بالسوط.
وروى ابن الجوزي عن أبي التياح قال: قلت للحسن: إمامنا يقص، فيجتمع الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء.
فقال الحسن: إن القصص بدعة، وإن رفع الصوت بالدعاء لبدعة، وإن مد الأيدي بالدعاء لبدعة، وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة.
وقد عنَّ لي أن أذكر هنا فصلًا في آداب القاص والمذكر والواعظ، وهي ألفاظ متقاربة؛ فالواعظ: القائم بمنصب الوعظ، وهو تخويف يرق له القلب.
والمذكر: القائم بمنصب التذكير، وهو تعريف الناس بنعم الله عليهم وما يجب عليهم من الحقوق.