المعافري قال: كنا عند أبي شريح وكثرت المسائل، فقال أبو شريح: قد درنت قلوبكم منذ اليوم، فقدموا إلى أبي حميد - رضي الله عنه - أصفوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب؛ فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل إلى ما نزل؛ فإنها تقسي القلب، وتورث العداوة.
وروى أبو نعيم في"الحلية"عن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى قال: جلست مع سفيان الثوري في مسجد صالح المري، فرأيت سفيان الثوري يبكي، وقال: ليس بقاص؛ هذا نذير قوم.
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: رأيت تميمًا الداري يقص في عهد عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه.
وقال مغيرة: كان إبراهيم التيمي يذكر في منزل أبي وائل، فجعل أبو وائل ينتفض كما ينتفض الطير.
وقال أيضًا: كان الحسن يقص، وكان سعيد بن جبير يقص.
وقال مجاهد: كان بريد بن شجرة يقص، وكان يوافق قوله فعله.
وقال أيضًا: كنا نفخر الناس بأربعة: بفقيهنا، وقاصنا، وبمؤذننا، وبقارئنا.
فقيهنا: ابن عباس، ومؤذننا: أبو محذورة، وقاصنا: عبيد بن عمير، وقارئنا: عبد الله بن السائب.
روى هذه الآثار ابن أبي شيبة.
فإن قلت: ما تصنع بما رواه ابن ماجه بسند حسن، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: لم يكن القصص في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا زمن أبي بكر، ولا زمن عمر - رضي الله عنهما -.
وروى الإمام أحمد عن السائب بن يزيد بنحوه.
وروى ابن أبي شيبة عن نافع قال: لم يكن قاص في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا في زمن أبي بكر، ولا زمن عمر، ولا زمن عثمان رضي الله تعالى عنهم.
وروى ابن عديّ عن الأعمش رحمه الله تعالى قال: اختلف أهل البصرة في القصص، فأتوا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه فسألوه: أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقص؟ فقال: لا.
فالجواب: أنا قدمنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقص، وقد أمر قاصًّا أن يقص، وأن تميمًا والحارث بن معاوية وعبيد بن عمير كانوا يقصون في عهد عمر رضي الله تعالى عنهم؛ والمثبت مقدم على النافي.