الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَحْكُمُ بِالتَّوْرَاةِ وَأَحْكَامِهَا الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ عَلَى مَا أَمَرَ بِالْحُكْمِ بِهِ فِيهَا مَعَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا , الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ. وَالرَّبَّانِيُّونَ: جَمْعُ رَبَّانِيٍّ , وَهُمُ الْعُلَمَاءُ الْحُكَمَاءُ , الْبُصَرَاءُ بِسِيَاسَةِ النَّاسِ وَتَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ وَالْقِيَامِ بَمَصَالِحِهِمْ. وَالْأَحْبَارُ: هُمُ الْعُلَمَاءُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّبَّانِيِّينَ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ , وَأَقْوَالَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ.
وَأَمَّا الْأَحْبَارُ: فَإِنَّهُمْ جَمْعُ حَبْرٍ , وَهُوَ الْعَالِمُ الْمُحْكِمُ لِلشَّيْءِ , وَمِنْهُ قِيلَ لِكَعْبٍ: كَعْبُ الْأَحْبَارِ. وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ فِي وَاحِدِ الْأَحْبَارِ: حِبْرٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَقُولُ: عُنِيَ بِالرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: ابْنَا صُورِيَا اللَّذَانِ أَقَرَّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّوْرَاةِ عَلَى الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي , أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ التَّوْرَاةَ يَحْكُمُ بِهَا مُسْلِمُو الْأَنْبِيَاءِ لِلْيَهُودِ وَالرَّبَّانِيُّونَ مِنْ خَلْقِهِ وَالْأَحْبَارُ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُنِيَ بِذَلِكَ ابْنَا صُورِيَا وَغَيْرُهُمَا , غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ مُسْلِمُو الْأَنْبِيَاءِ وَكُلُّ رَبَّانِيٍّ وَحَبْرٍ , وَلَا دَلَالَةَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ خَاصٌّ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ , وَلَا قَامَتْ بِذَلِكَ حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا , فَكُلُّ رَبَّانِيٍّ وَحَبْرٍ دَاخِلٌ فِي الْآيَةِ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ.
عَنِ الضَّحَّاكِ:"الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ: قُرَّاؤُهُمْ وَفُقَهَاؤُهُمْ"
عَنْ مُجَاهِدٍ: «الرَّبَّانِيُّونَ الْعُلَمَاءُ الْفُقَهَاءُ , وَهُمْ فَوْقَ الْأَحْبَارِ»