وإن غيَّر أحد أحكام المنهج من أجل السلطان أو أقارب السلطان أو أصدقاء السلطان فذلك عين الفساد . والآفات والشرور تأتي من ذلك . بل قد لا يدري السلطان شيئاً عن ذلك ، وقد يتدخل قريب للسلطان - دون علم السلطان - ليطلب من العلماء تغيير بعض من المنهج ولا يستسلم له إلا الضعاف منهم ، وقد فطن سيدنا عمر رضي الله عنه إلى هذا الأمر فقال: إن الفساد قد لا يأتي من السلطان ، ولكن من الذين حول السلطان .
والخشية هنا تكون من غير الله ، ولذلك كان سيدنا عمر يجمع أقاربه والملتفين حوله ويقول لهم: لقد اعتزمت أن أصدر كذا وكذا فوالذي نفسي بيده من خالفني منكم إلى شيء من هذا جعلت نكالاً للمسلمين .
هذا هو أسلوب من أداء أن يخدم ويحكم ولا يحمل أوزاراً ، ونرى صور الفساد غنما جاءت نتيجة مخالفة القاعدة الحكيمة: {فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون} .
ويتابع الحق من بعد ذلك: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} وثمن آيات الله مهما بولغ في تقييمها فلن يتجاوز نفعه هذه الدنيا ؛ لأن الدنيا - كما قلنا سابقا - لا تقاس بعمرها الحقيقي أي إلى أن يُفني الله البشر ، وإنما دنيا كل حيّ تقاس بعمره فيها .
فهب أن الحياة طالت لملايين السنين فما نفع الفرد المحدود العمر بهذه الملايين من السنين؟ إذن فدنيا كل إنسان هي مقدار عمره في الحياة . وعمر الفرد في الدنيا له حد محدود غير معروف لأحد غير الله ، فلكل أجل كتاب . ولذلك تجد واحداً يعيش متوسط الأعمار وهو سبعون عاماً . ويختلف العمر من إنسان لآخر ، وقد يموت آخر عند الستين وثالث يموت في الأربعين ورابع يموت في المائة ، وخامس يموت وهو طفل رضيع .
إذن فدنيا الفرد قد تكون لحظة . وما دامت مسألة العمر لا يحكمها زمن ولا يحكمها سبب فهي - إذن - بإرادة الحق غيب .