وقوله تعالى: {مِن كتاب الله} بيان لما وفي الإبهام والبيان بذلك ما لا يخفى من تفخيم أمر التوراة ذاتاً وإضافة ، وفيه أيضاً تأكيد إيجاب حفظها والعمل بما فيها ، والباء الداخلة على الموصول سببية فلا يلزم تعلق حرفي جر متحدي المعنى بفعل واحد أي ويحكم الربانيون والأحبار أيضاً بالتوراة بسبب ما حفظوه من كتاب الله حسبما وصاهم به أنبياؤهم وسألوهم أن يحفظوه ، وليس المراد بسببيته لحكمهم ذلك سببيته من حيث الذات بل من حيث كونه محفوظاً ، فإن تعليق حكمهم بالموصول مشعر بسببية الحفظ المترتب لا محالة على ما في حيز الصلة من الاستحفاظ له ، وتوهم بعضهم أن ما بمعنى أمر ، و {مِنْ} لتبيين مفعول محذوف لاستحفظوا والتقدير بسبب أمر استحفظوا به شيئاً من كتاب الله وهو مما لا ينبغي أن يخرج عليه كتاب الله تعالى ، وقيل: الأولى أن تجعل (ما) مصدرية ليستغنى عن تقدير العائد ، وحينئذٍ لا يتأتى القول بأن {مِنْ} بيان لها ، ومن الناس من جوز كون {بِمَا} بدلاً من بها ، وأعيد الجار لطول الفصل وهو جائز أيضاً وإن لم يطل ، ومنهم من أرجع الضمير المرفوع للنبيين ومن عطف عليهم ، فالمستحفظ حينئذٍ هو الله تعالى ، وحديث الأبناء لا يتأتى إذ ذاك ، وقيل: إن {الربانيون} فاعل بفعل محذوف والباء صلة له ، والجملة معطوفة على ما قبلها ، أي ويحكم الربانيون والأحبار بحكم كتاب الله تعالى الذي سألهم أنبياؤهم أن يحفظوه من التغيير.
{وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء} عطف على {استحفظوا} ومعنى شهداء رقباء يحمونه من أن يحوم حول حماه التغيير والتبديل بوجه من الوجوه ، أو شهداء عليه أنه حق.