هذه الآيات تشي بأنها مما نزل في السنوات الأولى للهجرة؛ حيث كان اليهود ما يزالون بالمدينة - أي قبل غزوة الأحزاب على الأقل وقبل التنكيل ببني قريظة إن لم يكن قبل ذلك، أيام أن كان هناك بنو النضير وبنو قينقاع، وأولاهما أجليت بعد أحد والثانيه أجليت قبلها - ففي هذه الفترة كان اليهود يقومون بمناوراتهم هذه؛ وكان المنافقون يأرزون إليهم كما تأرز الحية إلى الجحر! وكان هؤلاء وهؤلاء يسارعون في الكفر؛ ولو قال المنافقون بأفواههم: آمنا .. وكان فعلهم هذا يحزن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويؤذيه ..
والله - سبحانه - يعزي رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويواسيه؛ ويهون عليه فعال القوم، ويكشف للجماعة المسلمة حقيقة المسارعين في الكفر من هؤلاء وهؤلاء؛ ويوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المنهج الذي يسلكه معهم حين يأتون إليه متحاكمين؛ بعد ما يكشف له عما تآمروا عليه قبل أن يأتوا إليه وما بيتوه:
{يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، من الذين قالوا: آمنا، بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ومن الذين هادوا .. سماعون للكذب، سماعون لقوم آخرين لم يأتوك. يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا ...}
روي أن هذه الآيات نزلت في قوم من اليهود ارتكبوا جرائم - تختلف الروايات في تحديدها - منها الزنا ومنها السرقة .. وهي من جرائم الحدود في التوراة؛ ولكن القوم كانوا قد اصطلحوا على غيرها؛ لأنهم لم يريدوا أن يطبقوها على الشرفاء فيهم في مبدأ الأمر. ثم تهاونوا فيها بالقياس إلى الجميع، وأحلوا محلها عقوبات أخرى من عقوبات التعازير (كما صنع الذين يزعمون أنهم مسلمون في هذا الزمان!) .. فلما وقعت منهم هذه الجرائم في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - تآمروا على أن يستفتوه فيها.