فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ السُّحْتَ بِالرِّشْوَةِ فِي الدِّينِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ بِالرِّشْوَةِ فِي الْحُكْمِ ، وَعَلِيٌّ بِالرِّشْوَةِ مُطْلَقًا ، قِيلَ لَهُ: الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ؟ قَالَ: ذَلِكَ الْكُفْرُ ، وَقَالَ عُمَرُ: بَابَانِ مِنَ السُّحْتِ يَأْكُلُهُمَا النَّاسُ ; الرِّشَا فِي الْحُكْمِ ، وَمَهْرُ الزَّانِيَةِ ; فَأَفَادَ أَنَّ السُّحْتَ أَعَمُّ مِنَ الرِّشْوَةِ ، وَمَنْ فَسَّرَهُ بِالرِّشْوَةِ الْمُطْلَقَةِ أَوِ الْمُقَيَّدَةِ فَقَدْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ بِاعْتِبَارِ نُزُولِهَا فِي أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَرُؤَسَائِهِمْ ، لَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ الْعَامُّ . وَقِيلَ: السُّحْتُ: الْحَرَامُ مُطْلَقًا ، أَوِ الرِّبَا ، أَوِ الْحَرَامُ الَّذِي فِيهِ عَارٌ وَدَنَاءَةٌ كَالرِّشْوَةِ . وَاخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ الَّذِي اخْتِيرَ هَذَا اللَّفْظُ لِأَجْلِهِ ، فَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مِنْ سَحَتَهُ ، وَأَسْحَتَهُ بِمَعْنَى اسْتَأْصَلَهُ بِالْهَلَاكِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ) (20: 61) . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِالسُّحْتِ مَا يُسْحِتُ الدِّينَ وَالشَّرَفَ لِقُبْحِهِ وَضَرَرِهِ ، أَوْ لِسُوءِ عَاقِبَتِهِ وَأَثَرِهِ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُ السُّحْتِ: شِدَّةُ الْجُوعِ ، يُقَالُ: رَجُلٌ مَسْحُوتُ الْمَعِدَةِ: إِذَا كَانَ أَكُولًا لَا يَكَادُ يُرَى إِلَّا جَائِعًا ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْحَرَامَ ، أَوِ الْكَسْبَ الدَّنِيءَ الَّذِي يَحْمِلُ عَلَيْهِ الشَّرَهُ ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ ، وَنَافِعٌ ، وَعَاصِمٌ ، وَحَمْزَةُ:"السُّحَتِ"، بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْحَاءِ ،