ومقصود الفريقين بقوله - تعالى - حكاية عنهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ هو المعنى المتضمن مدحا، وحاصل دعواهم أن لهم فضلا ومزيد عند الله - تعالى - على سائر الخلق».
والمعنى: وقالت طائفة اليهود التي تزعم أنها شعب الله المختار، وقالت طائفة النصارى التي تزعم أنها على الحق دون غيرهم قالت كل طائفة منهما: نحن في القرب من الله - تعالى - بمنزلة أبنائه المدللين، وأحبائه المختارين، فلنا من الفضل والمنزلة والتكريم ما ليس لغيرنا من البشر.
والذي حملهم على هذا القول الباطل، جهلهم بما اشتملت عليه كتبهم، وتخبطهم في الكفر والضلال وفهمهم السقيم لمعاني الألفاظ.
قال ابن كثير: «ونقلوا عن كتبهم أن الله - تعالى - قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكرى.
فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه. وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلّم من عقلائهم. وقالوا هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام. كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم.
إنى ذاهب إلى أبى وأبيكم، يعني: ربي وربكم. ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى - عليه السلام - وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه، وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.
وعطف - سبحانه - قولهم: وَأَحِبَّاؤُهُ على قولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ للإشارة إلى غلوهم في الجهل والغرور، حيث قصدوا أنهم أبناء محبوبون وليسوا مغضوبا عليهم من أبيهم بل هم محل رضاه وإكرامه.
وقد أمر الله - نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يرد عليهم بما يكبتهم فقال: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ.
والفاء في قوله فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ للافصاح، لأنها تفصح عن جواب شرط مقدر أي: قل يا محمد لهؤلاء المغرورين، إن كان الأمر كما زعمتم من أنكم أبناء الله وأحباؤه فلأى شيء يعذبكم إذ الحبيب لا يعذب حبيبه.
وإن واقعكم يا أهل الكتاب يناقض دعواكم، فقد عذبكم - سبحانه - في الدنيا بسبب ذنوبكم بالقتل والأسر والمسخ وتهييج العداوة والبغضاء بينكم إلى يوم القيامة.