وعطف عليهما قوله وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً من باب عطف العام على الخاص، ليكونا قد ذكرا مرتين. مرة بالنص عليهما. ومرة بالاندراج في العام، وذلك على سبيل التوكيد والمبالغة في تعلق نفاذ الإرادة فيهما.
وقوله وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما تأكيد لاختصاص الألوهية به - تعالى - إثر بيان انتفائها عما سواه.
أي: ولله - تعالى - وحده دون أن ينازعه منازع. أو يشاركه مشارك، ملك جميع الموجودات، والتصرف المطلق فيها، إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة. فهو المالك للسموات وما فيها وللأرض وما عليها، ولما بينهما من فضاء تجرى فيه السحب بأمره، ويطير فيه الطير بإذنه وقدرته. وما المسيح وأمه إلا من جملة ما في الأرض، فهما عبدان من عباد الله يدينان له - سبحانه - بالعبادة والطاعة والخضوع.
وقال - سبحانه - وَما بَيْنَهُما ولم يقل وما بينهن مع أن السماوات بلفظ الجمع، لأن المراد بالسماوات والأرض النوعان أو الصنفان.
أي: ولله - تعالى - وحده ملك السماوات والأرض وما بين هذين النوعين من مخلوقات خاضعة لمشيئة الله وقدرته.
وقوله يَخْلُقُ ما يَشاءُ جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعترى النصارى من شبه في أمر المسيح لولادته من غير أب، وإحيائه الموتى، وإبرائه الأكمه والأبرص، كل ذلك بإذن الله.
أي أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء أن يخلقه من أنواع الخلق بالكيفية التي يريدها تبعا لمشيئته وإرادته.
فتارة يخلق الإنسان من ذكر وأنثى كما هو المعتاد بين الناس، وتارة يخلقه بدون أب أو أم كما هو الشأن في خلق آدم، وتارة يخلقه بدون أب كما هو الشأن في خلق عيسى، إلى ذلك من مخلوقاته التي ليست مقصورة على نوع واحد بل هي شاملة لهذا الكون بما فيه من إنسان وحيوان وجماد، فكل ما تعلقت إرادته بإيجاده أوجده، وكل ما تعلقت إرادته بإعدامه أعدمه، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه ولا حائل دون نفاذ قدرته.
وقوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تذييل مقرر لمضمون ما قبله.