وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهَا التَّبْعِيضُ فِي الْآيَةِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الْقَلِيلِ مِنْ الرَّأْسِ فِي الْمَسْحِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْبَعْضِ ، وَهَذَا هُوَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ عَلَى التَّبْعِيضِ ، وَقَوْلُ مُخَالِفِنَا بِإِيجَابِ مَسْحِ الْأَكْثَرِ لَا يَعْصِمُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لِلَّفْظِ عَلَى التَّبْعِيضِ ، إلَّا أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمِقْدَارَ الَّذِي ادَّعَاهُ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ الْبَعْضُ بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ احْتَاجَ إلَى دَلَالَةٍ فِي إثْبَاتِ الْمِقْدَارِ الَّذِي حَدَّهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ الْبَاءُ لِلتَّبْعِيضِ لَمَا جَازَ أَنْ تَقُولَ: (مَسَحْت بِرَأْسِي كُلِّهِ) كَمَا لَا تَقُولُ: (مَسَحْت بِبَعْضِ رَأْسِي كُلِّهِ) .
قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقِيقَتَهَا وَمُقْتَضَاهَا إذَا أُطْلِقَتْ التَّبْعِيضُ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهَا مُلْغَاةً ، فَإِذَا قَالَ: (مَسَحْت بِرَأْسِي كُلِّهِ) عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ مُلْغَاةً ، وَإِذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَقِيقَتِهَا ، كَمَا أَنَّ (مِنْ) حَقِيقَتُهَا التَّبْعِيضُ وَقَدْ تُوجَدُ صِلَةٌ لِلْكَلَامِ فَتَكُونُ مُلْغَاةً فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: {مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ} وَ
{يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} وَلَا يَجِبُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْ نَجْعَلَهَا مُلْغَاةً فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إلَّا بِدَلَالَةٍ.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِنَا فِي جَوَازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ ، مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، رَوَى عَنْهُ نَافِعٌ أَنَّهُ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ ؛ وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُ ذَلِكَ.