وخلاصة هذا: أن المسيح وأمه من المخلوقات القابلة للفناء والهلاك كسائر أهل الأرض، فإذا أراد الله أن يهلكهما ويهلك أهل الأرض جميعًا. لا يستطيع أحد أن يرد إرادته؛ لأنّه هو مالك الملك الذي يصرفه بمقتضى مشيئته وإرادته، وإذا كان المسيح لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولا عن أمه الهلاك كما لا يستطيع أن يدفعه عن غيره .. فكيف يكون هو الله الذي بيده ملكوت كل شيء ، فعيسى مماثل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال، فلا يكون خالقًا. ثم ذكر ما هو كالدليل على ذلك فقال: {وَلِلَّهِ} سبحانه وتعالى {مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وسلطنتهما وتصرفهما {و} ملك {ما بينهما} ؛ أي: بين السماوات والأرض وما فيهما قاطبة، فهو صاحب الملك المطلق، والتصرف في السماوات والأرض وما بينهما؛ أي: بين العالمين العلوي والسفلي بالنسبة إليكم، وإنَّما قال: وما بينهما ولم يقل: وما بينهن .. لأنه أراد ما بين هذين النوعين أو الصنفين من الأشياء، فإنَّهما ملكه، وأهلهما عبيده، وعيسى وأمه من جملة عبيده. ثم دفع شبهة تحوك في صدورهم من كيفية خلق عيسى فقال: {يَخْلُقُ} ويوجد سبحانه وتعالى {مَا يَشَاءُ} خلقه ويريد على أي هيئة شاء، ومن أيّ أصل شاء، وعلى أي شكل شاء؛ أي: إن تلك الشبهة التي عرضت لكم، وجعلتكم تزعمون أن المسيح بشر وإله هو أنَّه خلق على غير السنة العامة، وأنه عمل أعمالًا عجيبة لا تصدر من عامة البشر، فالله له ملك السماوات والأرض، يخلق الخلق على مقتضى مشيئته، فقد يخلق بعض الأحياء من مادة لا توصف بذكورة ولا أنوثة كأصول أنواع الحيوان، ومن ذلك أبو البشر آدم عليه السلام، وقد يخلق بعضها من أنثى فقط كعيسى عليه السلام، وقد يخلق بعضها من ذكر فقط كحواء من آدم، وقد يخلق بعضها من ذكر وأنثى كسائر الناس وعامة الحيوان، ويخلق بلا توسط شيء من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات، وقد يخلق بتوسط مخلوق آخر كخلق الطير على يد عيسى عليه السلام معجزة له، وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص على يده أيضًا، فيجب أن ينسب الكل إليه تعالى لا إلى من أجرى ذلك على يده. وشكل الخلق وسببه لا يدل على امتياز لبعضها عن بعض، ولا على