وقوله {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم} معناه: فلم عذّبكم بذنوبكم فمسخكم قردة وخنازير ؟ وإنما احتج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما قد كان وعلم ، ولم يحتجّ عليهم بما لم يقع بعد ، لأنهم ينكرون ذلك ويدّعون أنهم لا يعذبون فيما يستقبلون ، فالماضي [أولى] به وعليه
المعنى.
قوله {يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مِّنَ الرسل} الآية.
قوله {أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا} : {أَن} في موضع نصب أي: [كَرَاهَةَ] أن تقولوا.
وقال الفراء: المعنى: (لأن لا) تَقُولُوا.
ومعنى الآية أنها مخاطبة لليهود الذين كانوا بين ظهرانيْ (مُهَاجَرِ النَّبِي) صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنهم لما دعاهم النبي إلى الإيمان به وبما جاءهم به ، قالوا: ما بعث الله من نبي بعد موسى ، ولا أنزل كتاباً بعد التوراة.
(و) قال ابن عباس: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن
وهب لليهود: يا معشر اليهود ، اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته ، فأنكروا ما قالوا لهم ، وقالوا: ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده ، فأنزل الله الآية.
ومعنى {على فَتْرَةٍ مِّنَ الرسل} : على انقطاع من الرسل وسكون ، وذلك أنه كانت الرسل بين موسى وعيسى متواترين.
وقد اختلف في الفترة التي كانت بين محمد وعيسى عليهما السلام: فقال قتادة: هي خمس مائة سنة وستون سنة.
وقيل عنه: خمس مائة وأربعون ، وقيل عنه: ست مائة وزيادة سنين .
وقال الضحاك: هي أربع مائة سنة وبضع وثلاثون سنة.
وقال ابن عباس: هي أربع مائة سنة فترة لا نَبِيَّ فيها ، وكانت مائة سنة بعث الله فيها أربعة أنبياء ، منهم ثلاثة رسل ، وهم الذين ذكروا في"يس"، فبين ميلاد عيسى وميلاد محمد خمس مائة سنة.