والذي نراه في تفسير النص السامي، هو أن هذا فيه بيان لعمل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو أنه أتى بعلم كاشف هو نور، فرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - نور في ذاتها، وأتى بكتاب معجز دال على رسالته، ومشتمل على شريعته، وهو حجته إلى يوم القيامة.
وقد بين سبحانه وتعالى الغاية الكبرى من رسالته إلى أهل الأرض، ومن النور الذي جاء به الرسول والكتاب الذي أنزله، فقال:
(يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ...(16)
هذه هي الثمرات التي ترجى من الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض، وكونها نورا يهتدي به الساري، وفيه شريعة قائمة في كتاب محفوظ إلى يوم القيامة، وهذه الثمرات ثلاث أولها: هداية إلى الحق، وإخراج من الظلمات إلى النور، ويهدي به الله سبحانه إلى صراط مستقيم لا عوج ولا أمت.
أما الأولى - فقد عبر الله سبحانه وتعالى عنها بقوله تعالت كلماته: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ) والضمير في قوله تعالى: (بِهِ) يعود إلى مجموع ما ذكر، أو يعود إلى القرآن وحده، والظاهر ذلك؛ لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وفي عود الضمير إلى القرآن تضمين لكل ما ذكر؛ لأن القرآن هو وعاء الشريعة، وحجة النبي - صلى الله عليه وسلم - القائمة إلى يوم القيامة، وهو مصباح النور المحمدي الذي لَا ظلام فيه، وقد ذكر سبحانه من يهتدي بالقرآن، وموضع الهداية، فليس كل إنسان أهلا لهداية القرآن والانتفاع به، فإن من يهتدي لَا بد أن يكون فيه عقل يدرك لم تظله غشاوة رانت عليه، وبصيرة نافذة، وقلب قد استقام لطلب الحكمة، وقد ذكر سبحانه أن الذي يهتدي بالحق والنور الكاشف من اتبع رضوانه، واتباع رضوان الله تعالى: طلبه ذلك الرضوان، ومعنى طلب ذلك الرضوان: أن يكون قلبه مخلصا لطلب الحق، لم يرنق قلبه بغرض باطل أو أهواء مردية، أو انحراف في طلب عن الغاية، بل يتجه اتجاها مستقيما إلى الحق لَا يبغى سواه، ولا يطلب إلا رضوان الله تبارك وتعالى، فإن الإخلاص يجعل العقل يشرق، والقلب يمتلئ بالحكمة.