وميثاق الله تعالى الذي أخذه على بني إسرائيل هو التكليفات التي كلفهم إياها، من صلاة وزكاة، وطاعة للرسل في المنشط والمكره، والسلم والحرب، يروى في ذلك عن ابن إسحاق قال:"أُمر موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة وقال: إني كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلا، فاخرج إليها وجاهد مَنْ فيها من العدو، فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيبا، من كل سبط نقيبا يكون على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به، وقل لهم: إن الله يقول: إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي. . .".
فالميثاق كما تدل الروايات يتضمن التكليفات كلها، وأخصها الجهاد، وموضوعه يبينه الله تعالى بالنص في قوله تعالى: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ) .
ومعنى قوله تعالى: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا) أن الله سبحانه وتعالى اختار منهم اثني عشر رئيسا على حسب بطونهم، ليوقعوا الميثاق، أو ليتلقوا العهد، فالبعث أصل معناه: الإثارة ثم أطلق على الإثارة التي يتبعها فحص، ثم اختيار، والنقباء جمع نقيب، وأصل النقب: الخرق في الجدار ونحوه، ويقال: نفب عليهم صار نقيبا لهم، أي رئيسا مختارا بما يشبه الانتخاب الطبعي، أي أن رياسته بمقتضى التكوين الفطري فهو رئيس، وإن لم يعين بسلطان، ويقول ابن جرير في تفسير معنى النقيب:"النقيب في كلام العرب كالعريف على القوم غير أنه فوق العريف، يقال منه نقب على بني فلان فهو ينقب نقبا، فإذا أريد أنه لم يكن نقيبا فصار نقيبا، قيل قد نقب نقابة".
وفسر بعض العلماء النقيب بمعنى الأمين، وإن هذا التزامي لتفسير النقيب على النحو السابق، لأنه لَا يكون له المنزلة السابقة إلا إذا كان أمينا له سابقات في المكارم والمعارف والصدق والأمانة؛ إذ إن هذه الصفات هي أسس السيادة على الناس، والسيادة بغير ذلك تكون نوعا من العلو والجبروت، ولا تكون نقابة سامية.