الأمثل / الجزء الرابع عشر / صفحة - 74 -
اُخرى، يكون سببًا لتشخيص الطرق وعدم الضياع فيما بين طرقها المليئة بالإلتواءات والإنحدارات، وأخيرًا فهو دليل على أنّ الله على كلّ شيء قدير.
«جدد» جمع «جدّة» ـ على وزن غدّة ـ بمعنى الجادّة والطريق.
«بيض» جمع «أبيض» كما أنّ «حمر» جمع «أحمر» وهو إشارة إلى الألوان.
«غرابيب» جمع «غربيب» ـ على وزن كبريت ـ وهو المشبّه للغراب في السواد، كقولك أسود كحلك الغراب. وعليه فإنّ ذكر كلمة «سود» بعدها والتي هي أيضًا جمع «أسود» تأكيد على شدّة وحلك السواد في بعض الطرق الجبلية (1) .
وإحتمل أيضًا أن يكون التّفسير: ألم تر أنّ الجبال نفسها مثل طرائق بيضًا وحمرًا وسودًا مختلفًا ألوانها خطّت على سطح الأرض، وخاصّة إذا نظر إليها الشخص من فاصلة بعيدة، فانّها تُرى على شكل خطوط مختلفة ممدودة على وجه الأرض بيض وحمر وسود مختلف ألوانها (2) .
على كلّ حال فإنّ تشكيل الجبال بألوان مختلفة من جهة، وتلوين الطرق الجبلية بألوان متفاوتة، من جهة اُخرى، دليل آخر على عظمة وقدرة وحكمة الله سبحانه وتعالى والتي تتجلّى وتتزيّن كلّ آن بشكل جديد.
وفي الآية التالية تطرح مسألة تنوّع الألوان في البشر والأحياء الاُخرى، فيقول تعالى: (ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه) .
أجل، فالبشر مع كونهم جميعًا لأب واُمّ واحدين، إلاّ أنّهم عناصر وألوان متفاوتة تمامًا، فالبعض أبيض البشرة كالوفر، والبعض الآخر أسود كالحبر، وحتّى في العنصر الواحد فإنّ التفاوت في اللون شديد أيضًا، بل إنّ التوأمين الذين يطويان المراحل الجنينية معًا، واللذين يحتضن أحدهما الآخر منذ البدء، إذا دقّقنا
1 ـ إستنادًا إلى ما صرّحت به بعض كتب اللغة كلسان العرب فإنّ (سود) في الآية أعلاه هي بدل عن «غرابيب» لأنّه في حالة الألوان لا يقدّم التأكيد، لاحظ أنّ (غرابيب) أكثر إشباعًا للتأكيد من ناحية السواد، لذا قيل إنّ الأصل كان «سودٌ غرابيب» .
2 ـ تفسير الميزان، مجلّد 17، صفحة 42.