الأمثل / الجزء الثاني عشر / صفحة -375-
هذا العمل السيء والمخزي لم يسبق له ـ على الأقل بشكل عام وجماعي ـ أن يقع في أية أُمة أو قوم كما وقع في قوم لوط.
ذكروا في أحوال قوم لوط أن واحدًا من عوامل تلوثهم بهذا الذنب هو أنّهم كانوا قومًا بخلاء جدًا، ولمّا كانت مدنهم على قارعة الطريق التي تمرّ بها قوافل الشام، فقد كانوا يظهرون هذا العمل «الإنحراف» لبعض ضيوفهم أو العابرين لينفروهم وكي لا يضيفوهم، إلاّ أنّهم تعودوا على هذا العمل القبيح، وقويت فيهم رغبة اللواط، فسقطوا في الوحل المخزي شيئًا فشيئًا.
على كل حال، سينؤون بحمل ذنوبهم وذنوب من يعمل عملهم، دون أن ينقص من ذنوب الآخرين شيء أبدًا (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثالهم! ) .
لأنّهم كانوا مؤسسي هذه السنة المشؤومة، ونحن نعرف أن من سنّ سنة ما فهو شريك في عمل من يعمل بها أيضًا.
لوط (عليه السلام) هذا النّبي العظيم، كشف أخيرًا ما في نفسه وقال لقومه (أإنّكم لتأتون الرجال ) أفتريدون أن تقطعوا النسل (وتقطعون السبيل ) (1) .
ولا ترعوون عن الأعمال المخزية في مجالسكم العامة (وتأتون في ناديكم المنكر ) .
«النادي» مشتق من «النداء» وهو يعني المجلس العام، كما يأتي أحيانًا بمعنى مكان التنزّه، لأنّ الأفراد هناك ينادي بعضهم بعضًا وترتفع أصواتهم.
والقرآن لم يبيّن هنا بتفصيل أية منكرات كانوا يأتونها في مجالسهم ونواديهم.. لكنّها قطعًا كانت متناسبة مع عملهم السيء المخزي.. وكما ورد في
1 ـ يرى جماعة من المفسّرين وجوهًا واحتمالات أُخرى لجملة «وتقطعون السبيل» منها ما فسّروه بقطع الطريق على الناس في سفرهم مع الإلتفات إلى ماضيهم وتأريخهم المعروف، لأنّ القوافل تضطر أن تأخذ طريقًا غير مطروق من أجل أن تسلم من شرّ هؤلاء ولئلا تبتلي بهم، كما فسّره بعضهم بسرقة أموال المسافرين في القافلة ولكن التّفسير الأوّل المشار إليه في المتن أنسب للآية كما يبدوا للنظر، لأنّ واحدًا من أسرار تحريم اللواط وفلسفته هو خطر قطع النسل كما صرحت به الرّوايات.