فهرس الكتاب

الصفحة 6772 من 11256

الأمثل / الجزء الثاني عشر / صفحة -362-

يشمل العذاب والرحمة في الدارين.

كما يتّضح أنّ المراد بقول: (من يشاء ) هو المشيئة الإلهية المقرونة بحكمته، أي كل من كان جديرًا ومستحقًا لذلك.. فإن مشيئة الله ليست عبثًا، بل منسجمة مع الإستحقاق والجدارة!.

وجملة «تنقلبون» من مادة «القلب» ومعناها في الأصل: تغيير الشيء من صورة إلى صورة أُخرى، وحيث أن الإنسان في يوم القيامة يعود إلى هيئة الموجود الحي الكامل بعد أن كان ترابًا لا روح فيه، فقد ورد هذا التعبير في إيجاده ثانيةً أيضًا.

ويمكن أن يكون هذا التعبير إشارة إلى هذه اللطيفة الدقيقة ـ أيضًا ـ وهي أن الإنسان يتبدل في الدار الأُخرى ويتغيّر تغيرًا ينكشف باطنه به وتتجلى أسراره الخفية، وبهذا فهي تنسجم مع الآية (9) من سورة الطارق (يوم تبلى السرائر ) .

وإكمالا لهذا البحث الذي يبيّن أن الرحمة والعذاب هما بيد الله والمعاد إليه، يضيف القرآن: إذا كنتم تتصورون أنّكم تستطيعون أن تهربوا من سلطان الله وحكومته ولايمسّكم عذابه، فأنتم في خطأ كبير... فليس الأمر كذلك! (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ) (1) .

وإذا كنتم تتصورون أنّكم تجدون من يدافع عنكم وينصركم هناك، فهذا خطأ محضٌ أيضًا (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) .

وفي الحقيقة، فإنّ الفرار من قبضة الله وعذابه، إمّا بأن تخرجوا من حكومته، وإمّا بأن تعتمدوا مع بقائكم في حكومته على قدرة الآخرين لتدافعوا عن أنفسكم، فلا الخروج ممكن، لأنّ البلاد كلّها له وعالم الوجود كلّه ملكه الواسع،

1 ـ كلمة «معجزين» مشتقّة من مادة «عجز» ، ومعناها في الأصل التخلّف والتأخر عن الشيء، ولذلك تستعمل هذه الكلمة في الضعف الباعث على التخلف والتأخر، «المعجزة» معناه الذي يجعل الآخر عاجزًا، وحيث أن الأفراد الذين يفرون من سلطان أحد وقدرته، يعجزونه عن ملاحقتهم، لذلك استعملت كلمة «معجز» في هذا الصدد أيضًا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت