الأمثل / الجزء السادس / صفحة -177-
لحقت بهم، لا أنّه توفيق ونصر وتجارة رابحة: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرمًا) (1) .
ومن الصفات الأُخرى لهؤلاء أنّهم دائمًا ينتظرون أن تحيط بكم المصائب والنوائب والمشاكل، ويرميكم الدهر بسهمه: (ويتربص بكم الدوائر) .
«الدوائر» جمع دائرة، ومعناها معروف، ولكن العرب يقولون للحادثة الصعبة والأليمة التي تحل بالإِنسان: دائرة، وجمعها (دوائر) .
في الواقع أنّ هؤلاء أفراد ضيقو النظر، وبخلاء وحسودون، وبسبب بخلهم فإنّهم يرون كل إِنفاق في سبيل الله خسارة، وبسبب حسدهم فإنهم ينتظرون دائمًا ظهور المشاكل والمشاغل والمصائب عند الآخرين. ثمّ تقول الآية ـ بعد ذلك ـ إِن هؤلاء ينبغي أن لا يتربصوا بكم، وينتظروا حلول المصائب والدوائر بكم، لأنّها في النهاية ستحل بهم فقط: (عليهم دائرة السوء) (2) .
ثمّ تختم الآية الحديث بقولها: (والله سميع عليم) ، فهو تعالى يسمع كلامهم، ويعلم بنياتهم ومكنون ضمائرهم.
أمّا الآية الأخيرة فقد أشارت إِلى الفئة الثّانية من الأعراب، وهم المؤمنون المخلصون، إذ تقول: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر) ولهذا السبب فإنّهم لا يعتبرون الإِنفاق في سبيل الله خسارة أبدًا، بل وسيلة للتقرب إِلى الله ودعاء الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لإِيمانهم بالجزاء الحسن والعطاء الجزيل الذي ينتظر
(1) مغرم - كما ورد في مجمع البيان ـ مأخوذة من مادة (غرم) على وزن (جرم) ، وهي في الأصل بمعنى ملازمة الشيء، ولهذه المناسبة قيل للدائن والمدين اللذين لا يدع كل منهما صاحبه: غريم، وأيضًا قيل: غرامة، لنفس هذه المناسبة لأنّها تلازم الإِنسان ولا تنقطع عنه إلاّ بأدائها. ويقال للعشق الشديد: غرام، لأنّه ينفذ إِلى روح الإِنسان بصورة لا يمكن تصور الإِنفصال معها. ومغرم يساوي غرامة من حيث المعنى.
(2) يستفاد من جملة (عليهم دائرة السوء) الحصر، أي إنّ حوادث السوء ستنال هؤلاء فقط. واستفادة الحصر هذه من أن (عليهم) خبر مقدم على المبتدأ.