الأمثل / الجزء الاول / صفحة - 217 -
أليست هذه من المصاديق الواضحة لطلب الشفاعة؟! إن الإِستشفاع برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعبارة: «اشفع لنا عند الله» هي نفسها عبارة اخوة يوسف إذ قالوا لأبيهم: (يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا) (1) كيف يجرأ هؤلاء على إلقاء تهمة الشرك على من يؤمن بما يصرّح به القرآن، بل ويستبيحون دمه وماله؟!
لو كان هذا العمل شركًا، فلم لم ينه يعقوب بنيه عن ذلك.
ثانيًا: لا يوجد أدنى شبه بين «عبدة الأصنام» و «الموحّدين المؤمنين بالشفاعة بإذن الله» ، لأن الوثنيين كانوا يعبدون الأصنام ويتخذونها شفعاء، بينما المسلمون المؤمنون بالشفاعة لا تخطر في ذهنهم عبادة الشفعاء، بل يستشفعون بهم إلى الله، وطلب الشفاعة لا إرتباط له بمسألة العبادة كما سنبيّن.
عَبَدة الأصنام كانوا يتعجبون من عبادة الإِله الواحد الأحد: (أَجَعَلَ الاْلِهَةَ إِلهًا وَاحِدًا إِنَّ هذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (2) .
الوثنيون كانوا يجعلون الوثن في منزلة الله: (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلال مُبِين إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (3) .
الوثنيون كانوا يعتقدون بتأثير الأوثان على حياتهم ومصيرهم ووجودهم، كما تذكر كتب التاريخ، والمسلمون المؤمنون بالشفاعة يعتقدون بانفراد الله في التأثير، ولا يرون لموجود آخر غير الله استقلالا في التأثير.
والمقارنة بين الرؤيتين مقارنة جاهلة مجافية للمنطق.
أما بشأن المسألة الثانية، علينا أوّلا أن نفهم معنى «العبادة» لو فسّرنا العبادة بأنها كل لون من ألوان الخضوع والاحترام، لكان ذلك يعني حرمة الاحترام والخضوع لأحد غير الله، وهذا ما لا يقرّه مسلم. ولو فسّرنا العبادة أنها كل ألوان الطلب، فهذا يعني أن التقدم بالطلب من أية جهة هو شرك، وهذا يخالف
1 ـ يوسف، 97.
2 ـ ص، 5.
3 ـ الشعراء، 97 و 98.